torath 304- feb-2025

إضاءة

الباب والنافذة.. أية علاقة

يتم التعامل عبرها للشراء والابتياع من خلال سلة تتدلى للحانوت أسفل الدارأو القريب من الدار، فيتم وضع الغرض المشترى في سلة تتدلى بحبل من النافذة فيها النقود، هذه الوظيفة لا تتوفر للباب في كل الحالات لأنه لا يطل على الشارع، ولأن الباب قد يكون أداة خطر في مثل هذا التعامل بحضورالبائع شخصيا عبره خاصة في ظل غياب الرجال عن الدور في فترة الصباح. عند المقاربة بين الباب والنافذة من زوايا أخرى متعددة، سنجد منافع أخرى للنافذة لا يمكن للباب أن يوفيها أو يقدمها لأهله أو لأصحاب الدار التي يقوم على حراستها، منها أن النافذة تُُستغ ََل في أنها تتحول إلى طاقة لتجفيف الغسيل؛ هذه الوظيفة لا يوفرها باب ينفتح على الداخل وينغلق على الخارج، ولا يستطيع أن يقدم أي خدمات خارج وظائفه الرئيسة ومهامه الأساسية، هذا التفوق للنافذة يفتح أيضا بابا آخر، حين نتأمل أن نفس النافذة تتأثربتبدل أحوال وسلوك الناس في ظل التبدلات التي غيرت سلوكهم، مثل الباب الذي كان مفتوحا في ظل القيم الجميلة، وسلوك التعاضد والمحبة الرابط بين أهل المكان فأصبح مغلقا موصدا في عدم الأمان وانعزال الناس، وإصابتهم بأمراض الخوف من الآخر وانعدام الثقة. نفس هذه السلوكيات الجديدة التي أصابت بعض المجتمعات جعلت من النافذة تتساوق مع الباب، فتحولت إلى أداة لبث سلوكات البشر وعداواتهم على بعضهم من خلالها، وتحولت في ظل السلوكات الجديدة إلى وسيلة لرمي النفايات على رؤوس المارة أيضاًً، مما يعني تفردها عن الباب الذي لا يمكن أن يكون أداة سيئة للتعامل مع البشر الآخرين والجيران وأهل الحي أو الشارع. هذه العلاقة بين الباب والنافذة يمكن أن تفتح أسئلة كثيرة بين المشتركات التي يمكن أن تتوفر بينهما في أداء مهام محددة ومتساوقة وبين وظائف أخرى تؤدي خدمة للإنسان صاحب الدار مشعلا خبراته في استغلال كوة الباب أو كوة النافذة لتسهيل حياته مع نفسه أو مع الآخرين، وسنلمح كيف أن الباب والنافذة يتحولان مثل الإنسان حين يتحول أو يتبدل

وحتى تلك التقنية أتيحت في نفس العمارة العربية التقليدية مع الباب الذي ينفتح على باحة لا تفضي مباشرة إلى الداخل، ولكن عبر التواء من خلال ممر لا يتيح حال انفتاح الباب للرؤية، والإحاطة بمكنون الداخل حماية للخصوصية أيضاًً. بإنعام التأمل في الباب والنافذة ستجد مزيدا من العلاقات المتواطئة أو المتعاكسة. في الأحياء الشعبية في المدن العربية، ووفقا لقيم الترابط الحميم السائدة بين أهل الحارة أو العطفة أو الشارع، سنجد أن الباب مفتوح على مصراعيه دليلا وتوثيقا لنوع العلاقة الحميمة السائدة بين الجيران في الشارع أو في المكان؛ الفتح دليل أمان وعلامة من علامات الطمأنينة، ومسبار للعلاقة الحميمة السوية والحميدة والحسنة بين الأهل والجيران، وفي نفس الوقت سترى أيضا أن النافذة مفتوحة على مصراعيها لتؤدي دورها في طمأنينة، ولتكون أيضا أداة تواصل حميمي بين الجيران، فتمتلئ النوافذ في الحارات الشعبية الضيقة برؤوس البشر القاطنين خلفها، خاصة النساء للتسامر النهاري وقت الفراغ، ولإزجاء الأخبار، وتقوية العلاقات، واستثمار الوقت في إشاعة النميمة الصالحة والطالحة، أي أنها - النافذة - تتحول إلى مجلس أو صالون يجتمع عبره الجيران والجارات ليفتحوا مغاليق أسرارهم والبوح بمكنون مشاعرهم لبعضهم. إن هذه الخصيصة الإنسانية لا يتأتى للباب تأديتها لأنه فقط أداة انزلاق للداخل أو الخارج، ويعد وسيلة سريعة للدخول الآمن أو الخروج الآمن من المكان، وإذا ما تحول إلى مجلس بين داخل وبين صاحب المكان، يعتبر ذلك نقيصة ومثلبة، حيث إن الوقوف على الباب للغريب سيعني أنه غير مؤهل للدخول مما يصيبه في مشاعره ويؤذيها، كما أنه سيعني بلادة وبخل صاحب المكان الذي لن يسمح بدخول القادم، حيث سيؤدي ذلك السلوك إلى عدم فهم وعدم انسجام وعدم حميمية وعدم قبول. النافذة تؤدي أيضا دوار تجاريا مهما في المناطق الشعبية في كل المدن العربية، حتى أنها تتحول إلى أداة للابتياع والشراء الآمن، عكس الباب الذي إذا استخدم في نفس المهمة فإنه قد يكون غيرآمن لأهل الداخل من غدرالقادم، بينما النافذة

علاقة تلك التي يمكن أن تتمأسس بين الباب والنافذة، أية كلاهما بالتأكيد مفردات أساسية في أي وحدة عمرانية منذ بدء العمران على الأرض، وبناء بيوت ومنازل ودورتأوي البشر، فاشترطت هندسة البناء أن يكون للبناء مدخل يتمثل في الباب، ووظيفته محددة سلفا ومعروفة للدخول والحماية إلى آخر تلك المنظومة من الوظائف المادية والمعنوية، بينما النافذة أيضا شرعت لأغراض أخرى؛ الإنارة ودخول الهواء لتجديد حيوية المكان ودخول الشمس كشرط للتطهير وقتل الفيروسات والاستفادة من الضوء في أغراض كثيرة أقلها الإنارة. إذاًً، العلاقة الأولى التي تمأسست بين الباب والنافذة أنهما أجزاء من مكونات الدار أو المنزل. الوظائف اختلفت لكن إذا ربطنا بينهما فسنجد أن الباب يوفر للإنسان مخرجا ومدخلا للمكان كعلاقة مباشرة حين الدخول أو الخروج، ولكن هناك أيضا أمور أخرى معنوية تتعلق بالحماية والستر والمداراة، وتلك العلاقة الخفية بين الإنسان والباب. بينما النافذة التي تسهم في إنارة الداخل وتجديد هواء المكان والسماح وجذب الشمس وجلبها للداخل لإشاعة البهجة، وتوفيرمناخ مماثل للخارج، تتيح للإنسان الذي دخل من الباب وأغلقه عليه أن يلجأ للنافذة ليوفرطاقة مستدامة مع الخارج تبقيه على تواصل للعلم بمجريات ما يدور في الخارج وفي ًًا الشارع أو عند الجيران، أي أنها توفر وسيلة اتصال هامة جد تعمل عكس وظيفة الباب الذي يُُعتّّم المكان ويغلق المكان ويعزل أهل الداخل عن الخارج. النافذة تقوم بمهمة عكسية، إذ أنها هي نفسها أداة انفتاح مع الخارج، وأداة تواصل مع حوادث الخارج، وأداة إخبارية لسماع ما يدور بالخارج، والاطلاع على مجرياته أولا بأول، هذا التعاكس في وظيفة الباب بوصفه أداة عزل وإغلاق، وبين وظيفة النافذة بوصفها أداة انفتاح وتواصل مع الخارج.. هذا التضاد والتعاكس يؤسس لعلاقة أولى بين الباب والنافذة..

عبد الفتاح صبري روائي وناقد مصري

الباب أداة عزل وستر، والنافذة أداة انفتاح وفضح، ولذلك فإن القيم الجمعية على مر الزمن كان لها رأي صارم مع وظيفة النافذة، فالقيم الإسلامية والجمعية العربية لا تسمح مثلا أن يطلع أحد من الغرباء على المرأة داخل المكان بوصفها محرّّمة، وبوصفها مكنونا يجب الحفاظ عليه من الرائين والمتلصصين المختلسين النظرات المتعمدة. والنافذة من خصائصها إشاعة ذلك أو السماح بذلك. لذلك تحايل الصانع في توفير خصيصة تسمح للنافذة أن تقوم بوظيفتها مع عدم الإخلال بالقيم الجمعية، وحماية المرأة والداخل من أعين الرائين والبراقين والبصاصين بعمل المشربيات لتصبح ذات خصاص على الشباك وتسمح بالتواصل مع الخارج لتقوم بوظيفتها المادية والمعنوية، ولكن لا تسمح للبصاصين بالتحديق على عورات الداخل. كما أن العمارة العربية التقليدية أيضا جعلت من طريقة وهندسة البناء أن تلتف حجرات الدار حول باحة داخلية تطل عليها النوافذ للقيام بإدخال الضوء والهواء، ولكن على بيئة داخلية تضم أهل الداخل أنفسهم، ولا تنفتح على الخارج العام. وبالتالي تتم حماية عورات المنزل عن الخارج، ولكن النافذة هنا ستفقد إحدى أهم وظائفها المعنوية والمادية في أن تكون أداة تواصل مع الخارج، أي نزعت عنها بعض وظائفها حماية للخصوصية التي تحرص عليها القيم المجتمعية،

77 2025 فبراير 304 / العدد

76

الباب والنافذة.. أية علاقة

Made with FlippingBook - Share PDF online