جلساء التراث
كما تقول «شام مصطفى»: «ينهض الس ََّرد في خاتم سُُليمى بالتّّناص مع مرويات تراثية وتاريخية، وبمحاكاة أحداث واقعية . ) 6 ( شهدت عليها مدينة حلب»
وأطلقت عليها اسم «خاتم سليمان» أو التي احتفظت بها لنفسها وجعلتها لا تفارقها وسم ّّتها «خاتم س ُُلي ْْمى» رابطا قويا بين حاضرشخصيات الرواية وأزمنتها الأخرى المختلفة، والأكثر من ذلك اختصرت فيه تاريخ مدينة حلب بكل ما احتواه من أثار للناس، لا تزال باقية إلى اليوم شاهدة على صمودها أمام عواصف الزمان، حتى لو كان الحاضر يعج بقتل أهلها، وتدمير مبانيها، وهلاك حرثها وضرعها، باعتبارها ممثلة لسوريا كلها. بقي هنا أننا نُُشاطر الدكتور منير الحايك عند قراءته للرواية، حين قال: «قضايا كثيرة طرحتها
قصص ََهم في روايتها، وبين الأحياء الذين يستقون بقية حياتهم، أو يقارنونها بحياة السابقين، الذين لا جود لهم اليوم إلا على مستوى الذكريات، وأحيانا التذكر. «حلب» هنا.. وهناك ونتيجة لذلك، قد تنتاب القارئ - بعيدا عن الدراسة النقديّّة- حالة من التفاعل مع أماكن الأحداث، أكثر من شخوصها، وخاصة مدينة حلب، وربما يكون ذلك ما سعت إليه المؤلفة بوعي كامل، ذلك أن تتبّّع الرواية لِِس ِِيََر ومصائر مجموعة من الشخصيات التي عاشت في مدينة حلب السورية مطلع الألفية الثالثة، يأخذ قوته وجاذبيته، وحتى واقعيته، في حال تخلينا عن الب ُُعد الخيالي أو التأملي للأحداث، من كونه حديث الحاضر.. حاضر حلب، وفي دائرة أوسع حاضر سوريا، وهو بلا شك إن أردنا توسيع الدائرة سنجده يشمل العالم كله في هذه اللحظة الراهنة من عمر البشرية. في هذه الرواية تبدو حلب هنا، وحلب هناك أيضاًً، لذا علينا ننْْسى إقامة الكاتبة ريما بالي في إسبانيا هروبا من حرب ا أل ّا في بلادها ظهرت بشاعتها القصوى في مدينتها حلب، وفي هذا السياق تقول ريما بالي: «أجنح في رواياتي إلى ربط مأساتي أو مأساة شعبي ببعض المآسي التي مرت في العالم، وأحيانا
كلها، أريد أن أعلن إيماني العميق بأن الإنسان جوهره واحد، وإن اختلفت الثقافات والتطلعات ووجهات النظر، وأن ألفت .) 6 الانتباه إلى أن العدو واحد أيضاًً»( وقول بالي هذا ينتهي بنا إلى شوق لمعرفة مأساة حلب، وبالتالي سوريا كلها، وهذا لا يخلو من مقارنة - إجبارية - بين زمانين، زمن ماٍض وآخر حاضر، وما حملاه من معاني الوجود وقيم الحياة في السلم والحرب. ِفنا الكاتبة بالي بحلب وتحبّّبنا فيها، وحين نتفاعل معها، �ِّ تُُعر ويأخذنا الشوق إلى ماضيها، وننفر من حاضرها، نكتشف أننا رغم متابعة مأساتها خلال سنوات الحرب لا نعلم عنها إلا القليل، وربما يغيب على الكثيرين منا دورها التاريخي والحضاري، من ذلك احتضانها للآخروتأثيرها فيه، مع أن ذلك ليس زمنا بعيدا من الناحية التراثية. ومع أن أحداث الرواية لا تتّّخذ من حلب - زمانا ومكانا - أفقا وحيداًً، وفضاء جامعا لأحداثها، فإنها تؤسس عليه باعتباره الأكثر مرجعية وحضو ار ًً، حتى لكأن الكاتبة تهدف من روايتها إلى الحديث عن حلب من منطلق «الاحتواء الجمالي والإنساني»، كما هو في ماضيها القريب، وفي غدها المنتظر بعد أن تضع الحرب أوزراها. وتزامنا مع ذلك، تلوّّح المدينة من قريب، ومن بعيد أيضاًً، بإشارات حلبيََّة، ترافق صوتها الذي لم ينقطع، ولم يغب، وهنا
ا ثيََّة الحب ثل ُا لقد تمكّّنت الروائية ريما بالي من توظيف المرويات والأحداث. كما تقول شام مصطفى، بشكل لافت للانتباه في البناء السردي لحكايتها الغرائبية عن ثلاثية الحب التي جمعت بين بائعة التحف «سلمى العطار» أو«سيلين» كما سمّّاها والدها، والموسيقار والمستشرق الإيطالي «سيليفو كارولوني» أو«شمس الدين»، والمصو ّّر الإسباني «لوكاس أورتيز». من ناحية أخرى، فإن الكاتبة طرحت فكرة يُُروََّج لها دُُعاة الحواروالتعايش والتسامح بين الأديان، أوبالأحرى بين أصحاب الكتب السماوية، من خلال طرح - ضمن تشابك أراه مقصوداًً- قصة المصور الإسباني اليهودي «لوكاس» وعشيقته» «لُُولاََ» والتقائها بقصة «سلمى» في فضاءات مكانين، هما: حلب و«توليدو»، والذهاب بالقصتين السابقتين إلى فضاء مشترك، حيث علاقة سلمى المسلمة بالموسيقار الإيطالي «كارولوني» المسيحي المعروف بشمس الدين، وكل هذا يتم في أجواء من الصوفية باعتبارها مدخلا لقبول الآخر من منطلق ديني. نخ ْْل ُُص من هذا كله، إلى أن هذه الرواية، قد ي ُُن ْْظر إليها ضمن الكتابات الإبداعية - خاصة في عالم الرواية - التي ترى في الرجوع إلى الصوفية اليوم منفذا للخروج من التعصب الديني،
الرواية، علاقة الأبناء بأهلهم، الزواج والتزاماته، الأحلام والطموحات، الحرب والوطن، ولعل أبرزها قضية الحبّّ، وتعريف الحب ّّ، وكيف نحب ّّ، ومتى نعرف بأننا أحببنا.. خاتم س ُُليمى، رواية الحب والحرب، رواية العجائبية والأحلام، رواية . ) 7 ( الأهل والأبناء، ولكنها بشكل قوي، رواية الأسلوب» كاتب وصحفي من الجزائر الهوامش والمراجع: م، ودرست في جامعتها، 1969 . «ريما بالي».. كاتبة سورية، ولدت في حلب عام 1 كلية التجارة والاقتصاد، عملت في مجال السياحة والفنادق (مدير عام فندق تراثي في حلب القديمة)، عاصرت الحرب (الأهلية) في بلادها خلال سنواتها م، تقيم حاليا في مدريد في إسبانيا. 2015 الثلاث الأولى، وغادرت سوريا عام ـ رواية «خاتم سليمى» وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية 2 م.. لمزيد من التفصيل، انظر: 2024 العربية عام م. 2024 ــ ريما بالي، خاتم س ُُليْْمى، الطبعة الثالثة، تنمية، القاهرة، ــ من ذلك على سبيل المثال روايتها، الأولى: «ميلاجرو» (المعجزة) الصادرة عام 3 م.. تحكي قصة وطن وقصة حب بدأت في حلب السورية وانتهت في النمسا 2016 بين «لميا» و»جيرارد».
والقبول بالآخر، ناهيك على أن طرح الصوفية كبديل عن إسلام جمعي رسمي، أو مؤسسي أو حتى تنظيمي، يُُشرْْعِِن في الوقت الراهن إلى ميْْل الكفة لصالح التديُُّن الشعبي، بما فيه ذلك الذي يعود في ميراثه - خاصة الشفاهي - إلى زمن بعيد. في النهاية، ومع الاعتراف بمتعة قراءة هذا النص، فإن المؤلفة تمك ََّنت من جعل «خاتم سلمي» - بنسختيه - سواء تلك التي أهدتها لشمس الدين (سيليفو كارولوني)،
ـ بثينة الخليل، ريما بالي: ترشيح روايتي لجائرة البوكرالعربية 4 إنصاف لمعاناة مدينتي العظيمة حلب، موقع التلفزيون م، على الرابط: 2024 يناير 13 السوري، https://www.syria.tv ــ المرجع السابق نفسه، بتصرف. 5 ــ شام مصطفى، رواية «خاتم سليمى» لريما بالي.. فصول 6 م.. على 18/3/2024 متقلبة عن الحب وحلب، (الجزيرة نت) الرابط: https://www.aljazeera.net/culture/2024/3/18/ ــ الدكتور منير الحايك، قراءة في رواية «خاتم سليمى» ل ِِـريـما 7 م.. على الرابط: 2024 مارس 03 بالي، جريدة الديار، https://addiyar.com/article/2158642-
109
108
2024 أغسطس 298 / العدد
قراءة في رواية «ريما بالي» «خاتم سليمى».. طرح علاقة الثنائيات والتناقضات
Made with FlippingBook - Share PDF online