النمر العربي: رمز ثقافي وبيئي في ذاكرة الجزيرة العربية
نطاقات حركة غنية بالغذاء، لرعاية صغارها وحمايتهم. ويجيد النمرالعربي السباحة. ويتميزبحذره الشديد من الاقتراب من أماكن الوجود البشري. وينشط في الليل والنهار، لكنه يصطاد فريسته في الليل؛ لا سيما عند الفجروفي الغسق، لأنه يفضل أن يقضي وقت النهارالحارفي الظل بعيدا عن العيون، فهو حيوان ليلي بارع في تسلق الأشجار، ومطاردة الفرائس أحيانا على قمم الأشجار وفروعها. ومما يميزه أنه يقوم بجذب طريدته، بعد قتلها إلى أعالي الأشجار لإبعادها والاحتفاظ بها في مأمن من بقية الحيوانات المفترسة التي تعتمد على سرقة فريسة غيرها، كالضباع والكلاب البرية وغيرها، ويساعده رداءه المرقط على التخفي بين أوراق الأشجار في الليل. يمتلك كل نمر ذكر بالغ منطقة خاصة به يدافع عنها بشراسة، ويعيش فيها، ويتزاوج ويربي أشباله. وتحدد الذكور أراضيها ببولها وبُُرازها ومواقع خدش الأشجار، وكذلك بالصوت الم ُُنشاري العميق أو بصوت النخير (القباع)، فنشر البول واحدة من الطرق الرئيسية لتعليم المناطق الإقليمية وأماكن عيش النمور، كما ي ُُعل ّّم النمر الجزء العلوي من ج ُُحره الصخري، وذلك بحك رأسه بالجزء الصخري، باستخدامه للغدد الموجودة في رأسه، حتى تترك رائحتها في أماكن عيشها وانتشارها. وقد س ُُمي هذا الكائن نم ار لأنه أنْْمر، أي مُُرقط، فثمة ورديات
الأيقونة الحيّّة النمر العربي..
خالد صالح ملكاوي رغم غيابه المقلق وما يهدده من مخاطر الانقراض في بيئته الأصلية التي عاش بين مرتفعاتها في شبه الجزيرة العربية، لم يزل النمرالعربي يمثل أيقونة تحمل معها أصالة المنطقة وتاريخها، وتختزن الكثير من الرموز المتجذرة في عمق موروثها، ما يستنهض الهمم والعزائم للحفاظ على بقاء هذا الكائن البري، وإكثاره عبر مختلف مستويات الجهود؛ الشعبية والرسمية، والدولية كذلك. ألف عاٍم تقريباًً، 500 فالنمر العربي الذي ظهر في أفريقيا منذ هو أحد أهم أنواع الثدييات الأصلية الموجودة في شبه الجزيرة العربية، امتد ّّت موائله الطبيعية من البحر الأبيض المتوسط وصولا إلى الخليج العربي لتشمل المناطق الجبلية في أنحاء شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام وشبه جزيرة سيناء، إذ توفرالمناطق الجبلية للنمرأماكن اختباء وتخف ّّي، وتقل ّّل من مخاطر صيده. ويمثل هذا الكائن البري جزءا من عمق التاريخ العربي في شبه الجزيرة العربية، إذ حفره الإنسان القديم قبل
نحو سبعة آلاف عام في منحوتات على جدران الكهوف، وقد اكتُُشفت أُُولى ص ُُوره في رسم داخل كهف في بعض مناطق المملكة العربية السعودية حالياًً. وظهر في آثار مملكة سبأ عام أيضاًً، إذ يبرز في إفريز 2500 اليمنية القديمة قبل نحو من المرمر منحوت لنمر عربي يهاجم وعلا جبليا ًً. وقد ظل هذا النمرفي السابق ي ُُعد أكبرسلالات النمورانتشا ار ًً؛ حيث كان ينتشروبكثرة على رقعة كبيرة جدا من شبه الجزيرة العربية. وحتى أواخر ستينيات القرن الماضي، كان ينتشر بنطاق كبيروواسع في الجبال على طول سواحل البحرالأحمر، من أعداده 90% وبحرالعرب. أما الآن فقد تبد ّّل الحال، فخسر منذ بداية القرن التاسع عشر، وصار وجوده يقتصر على شبه الجزيرة العربية، وكذلك شبه جزيرة سيناء في مصر، وتبقى نمر، ما جعل اسمه مدرجا على 200 منه في البرية أقل من القائمة الحمراء للأنواع المهددة بالانقراض من الحيوانات. سمات وخصوصية يتخذ النمر العربي من الجبال العالية موطنا له، فهو سيد الجبال، وهذا على عكس ما هو معروف عن النمور عامة،
من أنها تعيش في الصحاري والغابات. ومناطق انتشار النمر العربي محدودة، ويقتصر انتشاره على عدد قليل من الجيوب المعزولة في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وسلطنة عُُمان واليمن. وقد انخفضت أعداد هذه النمور انخفاضا كبي ار بسبب فقدان موائلها، وقلة الفرائس، وهجمات رعاة الماشية عليها. وي ُُعد هذا النمرمن أجمل وأكبروأقوى أنواع القطط الباقية في شبه الجزيرة العربية، وهو الأصغر بين سلالات النمور، ويندرج تحت فصيلة السنوريات التي تميل بطبيعتها إلى الانعزالية رغم نشاطها نهاار وليلاًً، حتى إنها لا تلتقي مع سلالتها إلا في فترة التزاوج، وذلك على خلاف كثير من الحيوانات، ويتفرد النمر العربي بأنه حيوان انعزالي، حيث تعيش ذكوره بمعزل عن الإناث، ولا يلتقي الذكر وأنثاه إلا في موسم التزاوج، ثم ينفصلان، وتتولى الأم رعاية الصغاربمفردها، وهي تحرص على
11
10
2024 أغسطس 298 / العدد
النمر العربي.. الأيقونة الحيّّة
Made with FlippingBook - Share PDF online