إضاءة
من رؤى النظريات الاجتماعية: الحالمين إلى اختبارات الطامعين
مساواة واستغلال للعمال، ولذلك دعا إلى ثورة العمال للإطاحة بالطبقة البرجوازية الحاكمة وإقامة مجتمع اشتراكي يتم فيه ملكية وسائل الإنتاج جماعيا ًً. يهدف ماركس إلى تحريرالإنسان من الاستغلال والظلم الاجتماعيين، مما يتيح للإنسان تحقيق إمكانياته الكاملة. يا له من حلم نظري جميل، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا، لكن حتما كان الهدف من النظرية نبيلا يسعى إلى تحقيق العدالة. ولكن ماذا بعد النظرية؟ تجربة الاتحاد السوفييتي تعتبر واحدة من أبرز الأمثلة على تطبيق النظرية الاشتراكية وفشلها في نهاية الأمر. فتطبيق النظرية خلق طبقة بيروقراطية كبيرة داخل الحزب والدولة السوفييتية. هذه الطبقة كانت تتمتع بامتيازات واسعة، وتسببت في تفاقم الفساد والمحسوبية، مما أدى إلى تآكل الثقة بالنظام وفقدان الروح الأصلية لمفهوم الاشتراكية. كما أدى إلى غياب الحريات السياسية والمدنية، وظهرت مشكلات كبيرة في الكفاءة والإنتاجية. سيطرة الدولة المركزية على كل شيء قللت من الحوافز للابتكار والإبداع. في نهاية المطاف، ، وفشلت النظرية الاشتراكية 1991 انهار النظام في عام كمنظومة اجتماعية متكاملة، لكنها تشذرت وتداخلت جزئيا داخل المنظومة الاجتماعية الغربية ذات التوجه الرأسمالي الليبرالي. ماذا عن تحقيق العدالة الإنسانية تحت مظلة حقوق الإنسان؟ نحن أمام قضية محورية في الكثيرمن مفردات العصر الحديث. فقد اهتم الفلاسفة قديما بحقوق الإنسان والعدالة، وكان المفهوم يتغير بناًء على الثقافة السائدة. قد يختلف مفهوم العدالة ما بين الحضارات المتزامنة أو المقاربة زمانياًً. على سبيل المثال، في الحضارة السومرية، اعتمدت العدالة وحقوق الإنسان على قوانين حمورابي التي كانت مصد ار لتحقيق العدالة، بينما في الحضارة المصرية القديمة اعتمدت على مفهوم الماعت، وهو التجسيد الإلهي للحق والعدالة والنظام، الذي يستمد قوته من تجسيد الملك لظل الآلهة والكهنة كأداة لتحقيق الماعت. تطور مفهوم حقوق الإنسان، واتخذ منعطفا تاريخيا مهما مع الثورة الفرنسية واندماجه مع القيم الليبرالية والعلمانية التي ب ُُنيت عليها الثقافة الغربية في العصرالحديث، مستندا إلى نظريات مجتمعية ضََمِِنََها المفكرون في كتبهم ومؤلفاتهم، طامعين في رؤية البشرية تعيش في لحظة سلام
منذ بزوغ وعي الإنسان بالوجود وسيادة الجنس العاقل (الهومو سابيانس) على بقية الأنواع، امتلك الإنسان ما حقق له السيادة: امتلك الخيال. فالكائنات كلها تمتلك عقلا بدرجات متفاوتة وقدرة على التفكيروالتعل ّّم، لكن يبقى الإنسان العاقل هو الكائن الذي حقق السيادة على الأرض، رغم ضعف بنيته الجسدية مقارنة بالكثير من الكائنات. جاءت هذه السيادة من قدرته على التخيل وصناعة صور ذهنية غير مادية، ومن ثم ترجمة تلك الصور إلى واقع ملموس. فقد جس ّّدت له هذه القدرة إمكانية حل المشكلات التي يواجها من خلال تصورات ذهنية خيالية، واستطاع في الخطوة التالية تحويل هذا الخيال إلى واقع ملموس، ما أتاح له تطوير الاختراعات التي أوصلتنا إلى العصر الحديث، عصر الذكاء الاصطناعي بامتياز. من خلال قدرات العقل التخيلية، بدأت المجتمعات البشرية في وضع العديد من النظريات الاجتماعية والإنسانية التي ولدت من رحم الملاحظة والتخيل والربط بين الواقع والتراكم المعرفي للبشرية. مع كل حضارة بشرية، سواء كانت بسيطة أومعقدة، كانت هناك نظرية اجتماعية وإنسانية تطغى وتحكم المجتمع. وأقدم النظريات الاجتماعية التي حكمت التجمعات الإنسانية هو الدين بكل تجلياته اليقينية التي تترسخ في ضمير المجتمع، وتتحول إلى عقائد وشرائع تنظم الحياة والعلاقات بين أفراد المجتمع ووحدات الحضارة. فالدين ليس مجموعة من المعتقدات الروحية أو الطقوس الدينية فقط، بل هو مؤسسة اجتماعية تؤثر وتتأثر بالعلاقات الاجتماعية والهياكل الاجتماعية والثقافة أيضاًً. مع تطور الحضارة البشرية وتعقيدها عبر الزمن، بدأت النظريات الدينية تتفتت وتتعدد، وبدأ الفلاسفة والمفكرون ينحون نحو التفكير بعيدا عن مفاهيم القداسة الدينية. كان ذلك لأن القداسة الدينية أدت إلى صراعات بين الأديان المختلفة وبين طوائف الدين الواحد. واتجه المفكرون نحو الأصول والمبادئ التي يمكن أن تجمع الجنس البشري، وبدأت تظهر النظريات الاجتماعية التي تحللت من القداسات الدينية
شريف مصطفى محمد كاتب مصري
لتتحرر من عبء الصراع، أو هكذا كان المفكرون يتمنون. لكن ثمة صداما عنيفا تعرض له المفكرون في سعيهم إلى بلورة العديد من النظريات الاجتماعية الإنسانية. وضعوا فيها أحلامهم الذاتية بالسلام والمحبة التي صوّّرها لهم خيالهم الحالم أنها قابلة للتحقق والنجاح. على سبيل المثال، حين وضع كارل ماركس أسس نظريته الاشتراكية، كان الهدف الرئيسي لماركس تحقيق مجتمع خاٍل من الطبقات والاضطهاد، حيث تُُوََزََّع الثروة والموارد بشكل عادل ومنصف على الجميع. ماركس كان يرى أن النظام الرأسمالي يُُنتج عدم
وتماهي مع احترام حقوق الإنسان. حلم الحالمين بسيادة هذا المفهوم عبر قنوات التطبيق له، وماذا بعد؟ تحو لت النظرية الحالمة إلى أداة لتحقيق المصالح السياسية للقوى السياسية المختلفة على الصعد كافة، سواء داخليا أو خارجياًً. صارت حقوق الإنسان أداة ترفيهية تُُس ْْتََد ْْع ََى حسب الحالة، والظروف الراهنة، والمصلحة، والهدف. الضحية دائما هي المجتمعات التي تخضع لآلة الحرب القاسية التي تطحن آمالهم وأحلامهم في الحياة في الكثير من البقع الساخنة حول العالم. صارت حقوق الإنسان والعدالة البشرية تذهب إلى المصير نفسه الذي ذهبت له الاشتراكية: فشل الإنسانية في اختبار التطبيق بعد حلم التنظيرالذي راود الإنسانية في أجزاء كثيرة من أركان العالم، حيث ت ُُهدر حقوق الإنسان، وتظل مجرد نظرية حالمة في كتب الفلاسفة والمفكرين. هل يحتاج العالم إلى نظريات جديدة؟ أم نحتاج أن نحتوي نظرياتنا القديمة، ونعيد صياغة مستقبل البشرية قبل أن تحين لحظة الانعطافة القادمة في تاريخ البشرية، التي قد تكون انعطافة حادة تودي بمستقبل البشرية إلى هاوية سحيقة من الضبابية تطحن الإنسان، وتحطم آماله في السكينة والسلام والمحبة؟
111 2024 أغسطس 298 / العدد
110 النظريات الاجتماعية: من رؤى الحالمين إلى اختبارات الطامعين
Made with FlippingBook - Share PDF online