torath 298 - Aug - 2024

أدب ونقد

أنثروبولوجيا المكان والتراث في رواية «تربيع أول» للكاتب الإماراتي سعيد الحنكي

في امتلاك المشروع الخاص في تصنيع وتطوير الزوارق الخشبية التقليدية، وأحيا ذاكرة جمعية تنفست الصعداء في معظم أجزاء الرواية. وكانت الرؤية إلى هذا البيت التراثي على أنه سياٌق نمت خلاله مجموعة من المفاهيم العميقة التي أنتجت منظمة بنائية لها تعبير متميز ومتمايز ومتسق مع السياق الاجتماعي والبيئي والاقتصادي. وصياغة المكان بهذا الأسلوب في تفسيراتها الكلية والشمولية يشكّّل صياغة الأطر المتكاملة والمتداخلة التي تجعل سكانه يشعرون بالانتماء لأماكنهم وفضاءاتهم من خلال جعل هذه الأمكنة نفسها هي التي تُُحدث التواصل الإنساني المكاني. وبهذا الاعتبار يمكن القول إن المكان في «تربيع أول» صنع سرديته الخاصة بما حمله من قيمة تراثية مرتبطة بعبق الماضي وصنع على هذا المنحى تفرده ومذاقه وروح وجوده، لذلك تحوّّلت الرحلة إلى ذلك المكان سردية تشك ّّل صفحات في سفرالتاريخ الذاتي، بل ويمكن القول إنه صنع منهجية تشكله وخلقه وتمسكه وثبوته ليكون سبيلا إلى خلق حالة من الاستمرارية الإبداعية فنيا منطلقة من فهم التراث المعماري ومقوماته ومدلولاته. والكاتب سعيد الحنكي كاتب إماراتي، وهو عضو مؤسس في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، يحمل درجة الماجستير في إدارة الجودة، يكتب القصة القصيرة والمسرحية، ومن أشهر أعماله رواية «تربيع أول»، ومسرحية «عود الثقاب»، وهو عضو مؤسس في مجلس إدارة مسرح ليلى للطفل، كتب المقال لمدة . 999 عاما متواصلة في مجلة 20 صفحة، أولى فيها 125 وقد جاءت رواية «تربيع أول» عبر الكاتب المكان عنايته الفائقة، واهتم بأدق تفاصيله، فشكّّل كل جزء منه رماز وذاكرة، فبعد أن يعود البطل لمنزل أهله القديم بعد هجرة سنوات يحدثنا عن تفاصيل هذا المكان ثم يربط كل جزء من أجزائه وكل جدارمن جدرانه بحادثة وقعت فيه في زمان معين. كان المكان هو الذي حمل أحداثها وأثّّـر فيها. ويبدأ الحنكي روايته بمشهد رابط بين الزمان والمكان حيث تبدأ الرواية، لتظهر فيما بعد العلاقة المضطربة مع الزمان والمكان وتزداد مع تعمق الوصف، ويحدثنا عن حلمه بتحويل البيت إلى ورشة قلافة أي إلى مصنع لصناعة وتطوير المراكب البحرية التقليدية وهذا يشكّّل انتماء البطل لمهنة الأجداد رغم حاضره المزهر كأستاذ جامعي وله منصب في إحدى الشركات، ولكنه يدرك في نهاية الرواية صعوبة ذلك لأن المكان الذي ينوي إقامة ورشة القلافة عليه، وهو بيته القديم

للمكان حسن إدارته وتوصيفه وملء كيانه بالأحداث وإتمامها فيه بكثير من المفعولية، وإنما نعني بهما الوعي بكينونته داخل الكناية؛ وهي كينونة تُُخوّّل للمكان أن يعرب عن فاعليته في توجيه حركة الشخصيات ومنح الأشياء فيه دلالات جديدة. ولن يتم له ذلك إلا متى هيّّأ له الروائي أسباب أن يكون ذا لسان فصيح، وعاطفة قوية، وحواسا متيقظة، وجرأة على رفض ما لا يستسيغه

أحمد عبد القادر الرفاعي يمثل المكان حجر الزاوية وبداية خيط الإلهام لدى الكثير من الروائيين وكتّّاب القصة في العالم، بل إن هناك روايات حملت أسماء أماكن وخلدتها، ولطالما تحوّّل المكان في الرواية من مجرد إطار جغرافي تدور فيه الأحداث إلى ملهم للروائي والقاص، وأحد العناصر الرئيسية

هذا أو بيت العائلة قديما قد أصبح عقا ار حكوميا لا يستطيع التصرف فيه. وقد جمعت الرواية بذكاء بين العام والخاص، فكانت وفية بتقديم وصف تفصيلي عن البيت التراثي الإماراتي القديم وفي تقديم معالجة حالة إنسانية عامة مثلها حلم بطلها وارتباطه بتراثه وماضيه. وفي دراستنا لرواية «تربيع أول» للكاتب سعيد الحنكي لا يمكن أن نغفل عن مفهوم الأنثروبولوجية الذاتية الانعكاسية، فالأديب هو الباحث والمبحوث في الوقت نفسه، يتكلم ويروي عن قريته وأحداثها. ويسرد لنا أحداثا ارتبطت بالمكان بحس أنثروبولوجي واضح وأنيق، فهو يقدم لنا ردحا من سيرة ذاتية، ويعكس لنا تجارب حياتية صادقة وعابقة بالبساطة عايشها كل سكان القرية انطلاقا من تأسيس المكان في ذلك الفضاء وفوق تلك الأرض: «وكأن تلك العوائل غيرالمتعارفة فيما سبق، والمنسلخة عن عشائرها طوعا أو قس ارًً، في بطون الفيافي، أو على شواطئ البحار، كان بينها وعد للقيا وتكوين نواة المكان، وبناء المساكن على هذه البقعة الرملية الصغيرة، المرتبطة باليابسة الأم بشكل أو بآخر، عندما يثبر الماء عن حدودها الجنوبية والشرقية» وكأننا أمام اختيار المكان لساكنيه، وكأن هذا المكان مثّّل لهم مدادا يحمل حب ار من واقع الحياة يرسم ملامح الدهر وتقلباته، وبعد الولادة تأتي الطفولة التي تشك ّّل نشأة مكانية بامتياز لعل المحيط المتمثّّـل بالبيت والمدرسة وشارع الحي يمثّّـل المنبع الأعمق لحكاياتها وأحاديثها وأمثالها، ولعل حس المكان التكويني شك ّّل القرار الحاسم في تشكيل

في العمل الإبداعي، الذي تدفعه إلى الأمام، وبعد تطور فن القصة في الوطن العربي الحديث والمعاصر أصبح المكان جزءا رئيسيا من النسيج القصصي والروائي الذي لا يمكن أن يتم السرد من دونه، حيث تأكد في أشكال السرد الحديثة والمعاصرة في الأدب العربي دور«المكان» من خلال تضافره مع الحدث والمشاركة في صياغته، ثم تحوّّل المكان إلى عنصر جذب في العمل السردي يجذب له القرّّاء خاصة إذا كان القارئ ينتمي إلى هذا المكان. ويمكن القول إن الأدب الجيد هوجغرافيا جيدة، والروائي الذي لا يستطيع أن يعرف المكان الذي ستدور فيه أحداث رواياته لن يستطيع أن يعرف حدود شخصياته. ويذهب الكثيرون إلى أن النص الروائي يقدم بش ار يتحركون في زمان معلوم ومكان محدد، والخروج عن أحد هذين العنصرين يفقد النص الروائي ركيزة أساسية؛ لأن وعينا دائما يطوف بالأمكنة التي انحدرنا منها، ويظل مرتبطا على الدوام بهذه الأماكن الخاصة بنا التي شهدت طفولتنا وعشنا فيها. وإن فكرة الحنين والارتباط بالمكان الذي ننتمي إليه مرتبطة دائما بالذاكرة وبالماضي لأنها تحمل جذورنا الأعمق. ويذهب آخرون إلى أن الرواية فن الإنصات للمكان وحسن إدارته، فالأزمنة والشخصيات لا تكون رواية إلا متى عضدها حدث ما، والحدث لا يتم إلا في مكان مادي أو متخيل. وعليه، فإننا لا نعني بالإنصات

من أحوال الأحياء والأشياء فيه، فكم رواية تعطلت، فيها حواس أمكنتها فظل حكيها باردا وهجيناًً، وكم رواية هاجت فيها أصوات المكان وأحلامه فحرّّكت مهج شخصياتها وهيّّجت دلالات حكاياتها. وفي رواية «تربيع أول» للكاتب الإماراتي سعيد حنكي نجد الرواية بالمطلق هي حكاية المكان وحكاية من فيه لأنهم فيه، فالأحداث والعواطف والشخصيات وملامح السرد تتخلق في رحمه وتنمو، ويحضر المكان فيها حضور وارف الدلالة، إذ تنهض «براحة الفحل»، و«صرير المفصلات المتيبسة»، و«الحوش الذي تشكّّلت حوائطه على شكل قمع»، و«العريش»، و«الجزة»، و«الغويفة» و«الجدار الشمالي الشرقي المقابل لسفوح الجبال البعيدة»، و«الغرفة الجصية المستطيلة في الوسط ويطلق عليها مسمى المخزن»، «والغرفة الصغيرة في مواجهة المخزن، بإيوانها المتسع والشباك الكبير بقضبانه الحديدية عن يسارمدخلها» فواعل أساسية في نظم الحكايات والتحكّّم في جريانها، وباتت جزئيات هذا البيت بما يحمل من عبق تراثي هو من يحمل المرويات ويساعد على تقدم النسج السردي لأحداث الرواية بين الماضي والحاضر. فالمكان في «تربيع أول» بهندسته وارتباطه بماضيه وثباته وتمسكه بالحياة هو الذي صنع الرواية وأدار أحداثها وكل ٍ ساحر ذاكرة الرواية �ٍّ عقدها وأفضى إلى نهايتها. وشكّّل بسرد والوعي المنبثق فيها وتماس الروح بتفاصيلها، وكوّّن الارتباط العميق بين المكان والهوية ومفاهيم الماضي والتراث، والحلم

113 2024 أغسطس 298 / العدد

112 أنثروبولوجيا المكان والتراث في رواية «تربيع أول» للكاتب الإماراتي سعيد الحنكي

Made with FlippingBook - Share PDF online