torath 298 - Aug - 2024

أدب ونقد

لعلاقة العائلة أو الأسرة، فالجدة ا

ا � يعكس وصف

� مجتمعي

الآراء وتثبيت دور الذاكرة في تعزيز الهوية والارتباط بكل ما يتعلق بالأجداد من بيئة مكانية ومهن تقليدية وأسلوب حياة، وكانت هوية المكان الأنثروبولوجية مؤثرة أشد التأثير في تشكيل ثقافته، وإذا ما اتفقنا على أن البيت هو المكان الجزئي فالقرية هي المكان المتسع للمكان الأول وهكذا نجده قد لعب ألعابها، وعيّّد أعيادها، ونما في أحضان عاداتها وتقاليدها، وشك ّّلت أولى تجاربه الحياتية، وكانت كلمات أبيه، وأمه، وجدته ذات الطابع التكويني ترسم لائحة قوانين حياته ومدرسته الأولى دون منازع، وفلسفة المكان المركبة هندسيا ووجدانيا وعاطفيا تشكّّل في ذهنه كل أبعاد الحس الأنثروبولوجي. وفي رواية «تربيع أول» سنقوم باستثمار تقنيات الكتابة الأدبية في بناء الموضوعات الأنثروبولوجية، وتأويل النص للوقائع المستسقاة من أبجدية المكان المؤثرة نفسه، ليشك ّّل المكان مدخلا معرفيا للثقافة الاجتماعية، والتراثية، والاقتصادية، وذلك باستنباط الدلالات الظاهرية والباطنية التي تعبّّـر عنه ثقافة مجتمع الأديب حسب تصور الأديب ذاته وهو جوهر البحث الأنثروبولوجي، ومن الجدير بالذكر أن رواية «تربيع أول» تبدأ بافتتاحية مكانية حيث جاء في بدايتها: «بعد سنين مرت على آخر صرير للمفصلات المتيبسة، على عارضتي الباب الخشبي المتهالك، نسي «هلال بن راشد المرعزي» وهو يمد رجله لولوج البيت، أن يقدر لخطوته موضعها. فعثر في حفرة نبشتها الكلاب الضالة». وهذه إشارة واضحة إلى التصاق الرواية بالمكان، وعلى الأهمية التي يقصد الكاتب من خلالها إلى عقد الصلة الحميمية بين قارئ روايته وفضائها المكاني منذ أسطره الأولى، أو صفحاتها الأولى. وهذا دليل على قيمة المكان في المعمار الروائي ويعكس جليا ارتباط الإنسان أنثروبولوجيا بالمكان كاتبا وقارئاًً، وهكذا غدا المكان شريكا للماضي، بل مكوّّن له لتتكون الافتتاحية من عنصرين أساسيين هما ًًا الماضي والمكان، ليضعنا الكاتب أمام مكان روائي يأخذ دور بطوليا لا يمكن لأي عنصر آخر أن ينهض بها تتمحور الرواية كلها حوله. وفي قراءتنا الأنثروبولوجية لرواية «تربيع أول» نسعى إلى الكشف عن الرموز الكامنة في مكانية النص أو نصية المكان ٍ سواء، فيتحول وصف المكان إلى عملية كشف �ٍّ على حد وسبر للمعارف الاجتماعية والثقافية السائدة في مجتمع قرية «معيريض» التي ارتبط بها الكاتب ارتباطا وثيقا فهو لا يتحدث عن الآثار أو المكونات الخارجية للمكان فحسب، بل

الخشب أو الصفيح، أو في وعاء مخروطي الشكل، من عيدان القصب المطلية بالألوان المتناسقة. وفي ذلك دلالة على جودة الذوق العام، آنذاك، على الرغم من ضعف الإمكانات المحيطة، فإن الوصف الدقيق قد أسهم في نقل هذه الصورة ودلالتها نقلا واعيا بأهمية الموضوع ذاتيا وموضوعيا ودلالياًً، وما يؤكد ذلك وصف عرصات خشب «الكندل» التي تحمل ألوان السقف، وفوق القاطع يوجد «الغدان»، قضيب خشبي موازٍٍ، يصل بين جداري الغرفة، تعلق عليه الثياب لتجف من البلل، أولتستروح الهواء من كوتين كبيرتين متقابلتين في أعلى ركني الحجرة، تضيفان مزيدا من النور الواهي إلى المكان. إن هذه المفردات للأدوات المنتشرة في البيت هي أدوات حقيقية لحياتنا النفسية الخفية دون هذه الأشياء ومثيلاتها فإن الحياة تفقد نماذج الألفة. ونأتي إلى المسألة التي أجدها الأهم في هذا الفصل وذلك عندما صار يتأمل ثلاث حفر متساوية في الجدار، تشبه شبابيك تقليدية مقوسة الأسقف دون النفاذ إلى ما خلفها، وهذه المشكاوات عبارة عن رفوف كانت تستخدم لوضع الكتب وأدوات الزينة، وأسرجة الإضاءة ذات الفتائل، قبل استخدام الكهرباء. وفي هذا الوصف المشهدي دلالات كثيرة؛ منها الاهتمام بالثقافة ومصادرها مثل الكتب في ذلك الوقت وهذا تمثيل لحالة مجتمع متكامل كانت المعرفة سلاحه ووسيلته منذ زمن، وكذلك دلالة على الذوق العام مرة أخرى من خلال الاهتمام بتفاصيل المكان كوضع أدوات الزينة في هذا المكان وهي على رفوف مرتفعة مع الكتب لتدل على الإلمام بقيمة الشكل والمضمون كذائقة عامة سائدة وقتها. وما يؤكد ذلك أنه عندما نظر أسفل السرير المتقوض، رأى كتيبا من الحجم المتوسط يعلوه التراب..... طفق يقلب صفحاته المتصلبة بالملح، وقرأ: «أمن أم أوفى دمنة لم تكلّّم.. بحومانة الدراج فالمتثلم». لنجد أنفسنا أمام وقفة طللية ولكن بأسلوب روائي تدل على قيمة الارتباط وعمقه المتمثل في الاندماج بالمكان التراثي الحامل للذكرى بالوفاء والإخلاص له كاتب وباحث من سورية المصادر والمراجع: . 2018 - تربيع أول، سعيد الحنكي، مداد للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، دبي، 1 . 2019 - قضايا المكان الروائي، صلاح صالح، فواصل للنشروالتوزيع، اللاذقية، 2 - جماليات المكان، غاستون باشلار، ترجمة: غالب هلسا، المؤسسة الجامعية 3 . 1984 للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، - مقالات متفرقة من (الاتحاد - البيان - الخليج) حول الرواية الإماراتية. 4

يتطرق وبعمق إلى تفاصيل موجودة فيه أيضاًً؛ فنراه يصف البيت جدا ار جدا ارًً، ويكاد يقول لنا إن كل حجر من حجارة هذا البيت ينطق بحكاية ويفوح بذكرى، وإن كل باب قد حمل تاريخا وكينونة وفلسفة بوصف تفاصيل تبوح بأسرار ساكنيه، ويجدل لنا ذكرياته في كل غرفة من غرفه بذكرى تسفر لنا عن تكوين فكري ذاتي ومجتمعي وتأثيري وتأثري، تؤكد أن الكاتب وبأسلوب خاص يخضع العلاقات الإنسانية والنظم لإحداثيات المكان ويلجأ إلى اللغة لإضفاء إحداثيات مكانية ًًا على المنظومات الذهنية. وضمن تفاصيل المكان تظهر أبعاد اجتماعية لمجتمع القرية، ويظهرذلك جليا في قوله: «وفي ثلث المخزن الأيمن، ثمة باب خشبي غليظ، مشبوح بسلسلتين متينتين من طرفيه، الأولى تصل بين حلقتين حديديتين، مثبتتين في صدر مصراعه الخلفي ومنتصف عارضته، أما الثانية فتصل بين حلقتين في أسفل ذات المصراع والعتبة. حيث ينعقد عليهما قفلان نحاسيان كبيران، في الاتجاهين المتقابلين يسدلان ست ار على جزء من أسلوب الحياة». فكما قلنا إن المبدع هو الباحث والمبحوث معا فالمكان من جانب النص يغوص في تفاصيل الوصف الممنهج ليظهرذلك في قول الأديب ذاته «يسدلان ست ار على جزء من أسلوب الحياة»، وهذا دليل واضح على أن المكان بتفاصيله كلها وجزئياته مصمم تصميما دقيقا بما يتوافق مع أسلوب الحياة في زمن أراد تصويره بتفاصيل المكان وهذا هوجوهرالحس الأنثروبولوجي، وهنا يمكن القول إن المكان هو المكون الأبرزللمحيط المادي أو النفسي أو الإنساني بالمطلق ينظر إليه كسببية اجتماعية أو فطرية يكون الفرد كشيء ليس للفرد سيطرة فردية عليه، بل هو أسلوب حياة، وكذلك في قوله: «هذا المنزل الذي تربى فيه أبوه وجده من قبله، وعاشت فيه أمه وجدته لأبيه، وأخته العزيزة على نفسه ذكراها «عذبة» يتغير شكل بنيانه على مر الأزمان، لكن حدوده باقية ما بقيت هذه الجدران». فالمكان الذي يجمع العائلة على مدار سنين وأجيال يجب أن يبقى خالدا سواء بالجدران الجصية أو بالجدران النصية، سواء كان قائما على الأرض أو في الوجدان، فالكاتب حقن البيت الذي يمثل الفضاء المكاني لروايته بالحياة والاستمرارية وبالفعل الإنساني بوصفه التجلي الأكثر تمثيلا لفكرة الحياة، وهكذا استطاع أن يمنح البيت التراثي المزيد من عناصرالإثراء وإخراجه من صفاته الجمادية الباردة إلى فضاء حركي عظيم ينعم بالذاكرة والإيقاع والحياة ويتمسك بها، والنص الروائي

تقيم في البيت نفسه، وتشارك في أدق تفاصيل الحياة وهي من ملامح الأسرة المستمرة، والأب يجتهد ويشقى في رحلات الغوص ليؤمّّن لأبنائه مستقبلا أفضل، وأخته العزيزة على نفسه ذكراها «عذبة»، وأمه وجده، واندماج الأسرة تحت مسمى العائلة والقرية التي يعيشون بها واضح عندما يقول: «إذ تشكل كنيتهم هوية لا يتخلون عنها، يندمجون مع الآخرين تحت رايتها، يتزوجون منهم ويزوجونهم ويبقى ذلك الاسم مثل علم رابض على سارية عالية»، هذا هو المنزل الذي ضمه حتى مطلع شبابه. فالمكان ارتبط باسم العائلة وبترابط العائلة وبالتالي أدى رسالة أنثروبولوجية ضمنيا وشكلياًً، فالمنزل الذي ضمه بمواده الأولية الجامدة كالحجر والجص والتراب والخشب احتضن الحياة العاقلة التي منحته التشكل والتكون المعرفي والذهني. ثم يذهب بنا الكاتب إلى فكرة الاهتمام بأثاث البيت الموازي للأنماط الاجتماعية السائدة في ذلك الزمان، فالصناديق التي تحفظ فيها الملابس منمّّقة ومستطيلة من

115

114

2024 أغسطس 298 / العدد

أنثروبولوجيا المكان والتراث في رواية «تربيع أول» للكاتب الإماراتي سعيد الحنكي

Made with FlippingBook - Share PDF online