torath 298 - Aug - 2024

سرد الذاكرة

ليس تجربة الحب الأول..

شيخة الجابري في تلك السبلة المنصوبة وسط الحارة الشمالية، وتحت سقفها كانا يلتقيان، يتلقيان التعليم على يد المطوع سالم، علّّمهما كما علّّم غيرهم من أبناء المنطقة، قرأ القرآن وختما كتاب الله وهما لا يزالان بعد في بدء سن اليفاع، يلتقيان بفرح، ويود ّّعان بعضهما بحزن، هو تفضحه عيونه أمام أصدقائه، وهي يفضحها ارتباكها أم صديقاتها، لكن لا أحد يُُعلّّق أو يبدي سلوكاًً، أو يقول قولا يُُستشف منه وضع موزة وخالد، كانوا أطفالا يحملون عقول الكبار، ويتصرفون وكأنهم قد بلغوا سن النضج مبك ارًً. كان حب الصغر الذي يُُقال بأنه منقوش كما يُُنقش الحجر، هو منقوش بعناية وحرفية تامة في قلب موزة وروح خالد، وكان هو كالحجر صامدا لم يتأثر حتى بعد أن دارت الدوائر بهما وافترقا بسبب تدخلات أسرية، وأعراف وتقاليد مجتمعية تقضي بأن تكون ابنة العم لابن عمها، وابن العم لابنة عمه، ليجد خالد وموزة نفسيهما يواجهان أقسى قانون بشري يمكن أن يمر بالإنسان في حياته. كانت اللحظات التي تجمعهما صدفة عندما تذهب موزة رفقة فتيات الفريج لجلب الماء من الفلج القريب من منزلهم، وحيث إن الفلج يقع على الشارع ويمتد ليروي ضواحي المنطقة ومزارعها فقد كان التوقف عنده للشرب أوالتزود بالماء ضروريا وهي حركة يومية لا تتوقف، لذا كان اللقاء العابر رسالة حب يبعثها قلب خالد إلى قلب موزة الذي يتلقاها بفرح غامر. وفي مرات يأخذ الشوق بقلب خالد إلى حيث منزل موزة فيتوقف عند الباب الخلفي الموشّّى بالنقوش القديمة والمصنوع من الحديد وله «دفة» واحدة، عند الجدار يقف خالدا يترقب لط ََيف قد يعبر تكون وراءه حبيبة القلب «الموز» كما يحلو له أن يسميها، وكما كان يتغنى باسمها شع ار كلما عنّّت على خاطره أيام عريش المطوع راشد، فيتبادلان النظرات العابرة للوعي والمشاعرالساكنة في لب القلب، هكذا كان حال خالد

كل مساء، يتسرب نحو جدار منزل الحبيبة فلا يحظى سوى برائحة المكان التي تختلط بروائح العشب، وأحيانا برائحة الطبخ العابرة لمنزلهم. في أحايين كثيرة كانت بعض الكلمات التي يرسمها خالد بقلمه على صفحة دفتررسائل عتيقة تكفي لأن يرتوي قلب موزة بماء العشق لأيام طويلة، فقد تعلّّم الاثنان مع أقرانهما طريقة كتابة الرسائل وأساليبها، في ذاك الوقت من ستينيات القرن الماضي لم يعرف الناس وسائل تواصل سوى الرسائل التي يستطيع بعض الأفراد كتابتها، أو المطاريش والمناديب الذين يُُنتدبون لنقل خبرما إلى المناطق المجاورة، لذا كانت رسائل العاشقين غذاء لروحيهما الهائمتين، وكان حديث خالد بينه وبين قلبه أبيات شعر يرددها وهي مما تتناقله الألسن حيث يروّّح عن نفسه وهو يردد دوما «يالموز يا مي ّّال لغصون، يا سالب عقول النّّدامى، خذت الغُُوا عن كل مزيون، بالحسن يا سيد الأراما».

عند المطوع راشد تعلّّم الفتيان والفتيات أصول كتابة الرسائل وطريقتها التي دوما ما تبدأ بصيغة شعرية جميلة تأتي على سياق «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإن سألتم عنّّا فنحن لله الحمد بخير وسهالة، ولا ينقصنا سوى رؤيتكم» هكذا كان استهلال كتابة الرسائل قديماًً، وهكذا كان خالد يدس الكلمات في صفحة صغيرة من دفتر قديم يدسها فيما بعد في يد شقيقته خولة لتوصلها في سرية تامة إلى موزة، ومن ثم تنقل رسالة موزة إلى خالد. لا أحد يعرف ما يدور من مشاعر عميقة وارتباط روحي حقيقي بين الفتى اليافع والفتاة الجميلة التي بدأت أمها في إخفائها عن الناس وإبقائها قيد الحب في المنزل فقل خروجها، وأقيمت حفلة صغيرة للجارات احتفاًلا بتلبيس موزة البرقع إيذانا بدخولها عالم النساء، واقترابا سريعا من الاستعداد للخطوبة، ومن ثم عقد القران والزواج.

حالة من الحزن، وهالة من الغضب تعتري وجهي خالد وموزة، فهذا يستعد للزواج من ابنة عم ّّه، وحبيبته ت ُُجهز للارتباط بابن عمها، أي أعراف وتقاليد تلك التي لا ترحم قلبين صغيرين جمعتهما حلقة للتعليم، فيكون بينهما هذا الشعور الحميم الذي لامس شغاف قلبيهما، إنها حالة حب حقيقية وليست مجرد مشاعر عابرة، أو تجربة قابلة للعبث أو التجاوز أو النسيان، إنه «حب الص ّّغر المنقوش كالحجر» الحجر الذي تدحرج دون رحمة ليقطع طريق التواصل بين خالد وموزة، فيذهب كل واحد منهما نحو حياته الجديدة، يحمل في قلبه ذكرياٍت ومشاعر وقلبا أحب وانفطر، ليعانق ذاك الحب النّّقي الطاهر أدراج الزمن، فالكلمة في نهاية الأمر للأسرة والأعراف والتقاليد، لا صوت يعلو على ذاك الصوت حتى دقة القلب الحبيسة داخل جدران الروح باحثة وأديبة من الإمارات

123 2024 أغسطس 298 / العدد

122 الحب الأول.. ليس تجربة

Made with FlippingBook - Share PDF online