النمر العربي: رمز ثقافي وبيئي في ذاكرة الجزيرة العربية
رمز ثقافي وبيئي وجمالي النمر العربي في ذاكرة الجزيرة العربية
ومنذ آلاف السنين، دلت وأشارت المنحوتات الصخرية على علاقة النمر بالبشر وبالمنطقة، واندماجه بالتراث وبالأدب الشعبي العربي. وعلى الرغم من صعوبة رؤيته، فإنه موجود بشكل حضاري، فهو يعتبر سيد الجبال وأبرز كائن مفترس في شبه الجزيرة العربية. وبجماله وجلاله وهيبته، تحوّّل النمر العربي إلى رمز للقوة والغموض والنفوذ، ويظل وجوده عميقا في الثقافة العربية رغم صعوبة رؤيته، حيث يعتبر الغائب الحاضر. وللنمرالعربي تميزوفرادة في الشكل والحجم والبيئات التي يشغلها، فقد تميز عن غيره من النمور، بلونه الذي يميل إلى اللون الأبيض المرقط ببقع سوداء على الجسم، كل ثلاثة أوأربعة بقع تعطي شكل الوردة، ويمتازبصغرحجمه، إذ يتراوح ) كجم، بينما الإناث فوزنها ما بين 35 - 30 وزن الذكور ما بين ( ) كجم. فهو يعادل تقريبا نصف حجم النمورالأفريقية 25 - 20 ( . ) 2 ( والآسيوية المماثلة له في التصنيف على مستوى النوع النمر في التراث الأدبي العربي تعد شبه الجزيرة العربية الموطن الأصلي للنمرالعربي، ويشكل حضوره ثراء في الأدب العربي شع ار ونث ارًً، ففي الشعر تغنى الشعراء به ووصفوه وشبهوا به في القوة والشجاعة. وقد كان العرب يحبون الحيوان الشرس، ويتمثلون به ويجعلون جل مسمياتهم على الضباع، ويتمثلون بها، قال الدميري: ‹›إنما كانت العرب أكثر أمثالها مضروبة بالبهائم، فلا يكادون يذمون أو يمدحون إلا بذلك، لأنهم جعلوا مساكنهم بين السباع ، ففي المثل ) 3 ( والأحناش والحشرات فاستعملوا التمثيل لذلك» ِمر)، كشف له عن عداوته، عامله �ِّ الشعبي: (لبِِس له جِِلْْد الن بوحشي ََّة. قالوا: إذا كثر حنق الرجل على عدوه، واشتد غيظه، . وفي الشعرالعربي ) 4 ( قالوا لبس له جلد النمرأي تخلق بأخلاقه يقول امرؤ القيس واصفا أحبته بأنهم يسكنون رؤوس الجبال : ) 5 ( حيث النمر الذي يعدو على أغنامهم وشياههم ََـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــب إِِلـََينــــــــــــــــا مـِِن أُُنـــــــــــــــــــــــــاس بِِقِِـنَّّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة أ ََح يََــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــروح ع ََلى آثــــــــــــــــــــــــار شائِِهِِــــــــــــــــــــــــم النََمِِــــــــــــــــــــــــر
عائشة علي الغيص النمر في جذور الذاكرة التاريخية
استحوذ الحيوان بشكل عام على مساحة مهمة في فضاء التراث الشعبي. فقد سكن نصوص الأمثال والحكايات والأساطيربوصفه وسيطا لتمريرالأفكاروالمواقف الإنسانية، كما تصد ّّر بطولة الخرافة، الذي استغلته الذاكرة الشعبية لتفرغ فيه زبدة تجربتها الحياتية ومواقفها ومشاعرها التي تراكمت من خلال صراع الإنسان مع الطبيعة، وحركته داخل ويأتي النمر في المعترك السياسي والاجتماعي عبر العصور. مقدمة هذه الحيوانات التي كان لها صدى في الذاكرة الثقافية العربية، متفوقا على الجمل والثور والثعلب والذئب وغيرها من الحيوانات، فكان النمر هو الحيوان المفترس الأبرز الذي شكل حضوار أوسع ويُُعََد رماز ثقافيا وبيئيا وجماليا ذا تأثير ًًا عميق، فهويجمع بين القوة والجمال والغموض، ويعكس جزء كبي ار من الهوية الثقافية والتاريخية للمنطقة. والن ََم ِِر «حيوان يْْرََّة ورتبة اللّّواحم، أهيف ِنو �ِّ مفترس أرقط من الفصيلة الس القد ّّ، مستدير الرّّأس، جميل الش ََّكل، مزاجه كمزاج الأسد، إلا . ) 1 ( أن ّّه أقهر وأعنف»
كِِـلانـــــــــــــــــــا لََـــــــــــــــــــه مِِـنهــــــــــــــــــا نََـصـيــــــــــــــــــــــــــــب وََمََـأَكَــــــــــــــــــــل
ومن جميل أوصاف النمر في الشعر العربي ما قاله القتال الكلابي أحد شعراء الصعاليك الذين فروا إلى جبال المدينة، وآخى فيها هناك نم ار له كهف يتردد عليه، وكان لونه ما بين السواد والبياض. وقد أطلق على النمرالصاحب في أجمل صور : ) 6 ( الأنسنة، فيقول ََــــــــــــــــدَّّك صاحِِبــــــــــــــــا ُُوََلي صاحــــــــــــــــب في الغــــــــار ه أ ََن َّّـــــــــــــــــــــــــــــــــه لا ي ُُـع ََــــــــــــــــــــــــــل َّّــــل ا ََــــــــــــــــــون إِِلّا هُُــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــو الـج ََـديثِِنــــــــــــــــــــــــــا ُُإِِذا مــــــــــــــــــا الـتـََقََينــــــــــــــــــــــــا كـان جـُُــــــــــــــــل ح ََـــــــــــــــــــــــــــــل ِِـرف كََـالمََعابِِـــــــــــــــــــــــــل أََطح ِِـمــــــــــــــــــــــــات وََط ص ََـم َّّنََـــــــــــــــــــــــــــــــــت الأََروى لََنـــــــــــــــــــــــــــــــــا بِِـطـعـامِِـنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا ُُت ََـض
ََـنعََــــــــــــــــــــــــــــة الـزاد إِِنَّّـنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــي ُُفََـأََغـلـِِبُُــــــــــــــــــــــــــــــــــــه فـي ص
َّّــــــــــــــــــــــــــــــل ََــنــــــــــــــــــــــــــــه و ََلا يـ ََت ََـأ ََم أ ُُمـيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــط الأ ََذى ع
ِِـل َّّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة ُُو ََكـان ََـــــــــــــــــــــــــــت ل ََنـا ق ََـلــــــــــــــــــــــــــــت ب ِِـأ ََرض م ََض ّـــنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــا جـــــــــــــــــــــــــــــــاء أََوَّّل �ِّ َي �َ ََـــــريـعََتُُـــنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا لِأ ش وكان القتال الكلابي قد تعارك مع النمر طويلا ًً، فلما لم يظفر واحد منهما بصاحبه تآلفا، فكان هذا يأكل من صيد هذا وهذا يأكل من صيد هذا، إلا أن القتال كان يأكل ما تمسه النار، فكان صاحبا لا يعلّّل، والحديث معه صمت دائم، ونظرات حادة كالرماح، وهويصف النمروصفا دقيقا في شكله وسلوكه
2024 أغسطس 298 / العدد 23
22 النمر العربي رمز ثقافي وبيئي وجمالي في ذاكرة الجزيرة العربية
Made with FlippingBook - Share PDF online