النمر العربي: رمز ثقافي وبيئي في ذاكرة الجزيرة العربية
الحمراء من قِِبل اتحاد الحماية العالمي، الذي يهتم بنقصان الحيوانات والنباتات في البيئة الطبيعية، والذي تبين له في آخر دراساته بأن انتشارهذا النمرالعربي في المناطق العربية آخذ في التلاشي، وخصوصا في بعض المناطق مثل جبل مدين، كما أنه تراجع كثي ار في جبال الحجاز والسروات، وفي دراسة قدمها قسم علم الحيوان في جامعة الملك سعود بعد قيامه في مسح ومراجعة أكثرمن خمسين موقعا في المملكة العربية السعودية. تبين له من خلالها بأن وجود النمر العربي فيها لا يتعدى الخمسة والستين منه، وفي هذا السياق يفرض السؤال استفهامه عن أسباب تكاثر هذا التراجع في أعداده وعلى نحو متسارع؟ وفي الإجابة على ذلك نجد أن في مقدمة هذه الأسباب يبرز العداء لهذا النمر والسعي إلى قتله ومحاولة التخلص منه بسبب ما يراود الأهالي من خوف بسببه لاعتقادهم بأنه يشك ّّل خط ار على حياتهم لأنه يعتبرمن الحيوانات المفترسة، ويضاف إلى ذلك هجرته إلى مناطق أخرى نائية وخالية بسبب محاولة
المنحوتات الصخرية من حولها حتى استحال بحضوره الطاغي تاج الجبال وبطلها، وغدا رماز ثقافيا بدلالة مستحبة لكل من يريد أن يكسو اسمه بالثبات ويملأ قلبه بالشجاعة، لذلك جعلت لغة العرب من مقدمة إطلالة نمرهم وعََدْْوه مضرب مثل في الحماية والمنعة والجلد والوثبة الشجاعة على امتداد المسافة، ولمكانته العظيمة التي حظي بها أطلقت عليه من جمال تراكيبها أسماء متعددة نذكر منها «الأبرد، والأرقط، ، وقامت بتكنيته بـ «أبو الأسود» و»أبو ) 2 ( والس ّّبنتي، والك ََثع ََم ..» جعدة» و«أبو خطاف» و«أبو رقاش» و«أبو فارس»، ومن الأسماء التي أطلقتها على أنثاه: («النمرة» و«الخيثمة» و«السّّبنتاة» و«العسبرة» و«الفزارة»)، وأطلقت على صغار النمر اسم «الشبل»؛ ولم تبتعد القصائد عند العديد من الشعراء عن النمر العربي، وقاربوه بالمكاشفة لشدة الأحوال التي يواجهونها ممن يتأهبون للكيد لهم. فكتب الشاعر عبد الملك بن محمد الثعالبي إلى أبي نصر بن سهل المرزبان يشكو له الشدة التي
يلاقيها من بعض رجال قبيلته «كندة» واستخدم في التعبير عن ذلك جلد النمر لما له من دلالات على الشدة قائلا في الإشارة إلى ذلك: (إن إخوتي من كندة لبسوا لي خمسا من جلد ٍٍالنمر) وخاطبه في أعقاب هذه الإشارة في قصيدته: ْْكتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت مــــــــــــــــــن صومعــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة تسمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح بالقــــــــــــــــــــــــــــــوت الع ََــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــس ِِر ْْوالد ّّهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر مـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن جفائــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه ٌٌيلبــــــــــــــــــــــــس لــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي ج ِِلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد الن ّّمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر فــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــماء عيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــش كــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدر ) 3 (ْْ ونجــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم حالــــــــــــــــــــــــــــــي مُُنْْكـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدر واستخدم الشاعرعمروبن معد يكرب جلد هذا النمرفي مرامي تعبيرية أخرى جسّّد فيها شجاعة الرجال في إقدامهم على قتال عدوهم مرتدين ثوب هذا الإقدام النمري، استعدادا إلى هذه المجابهة التي استخدم فيها الشاعرصفة القوة الحديدية التي يتحلى بها النمر، مجسدا ذلك في قوله:
صيده في أماكن انتشاره ووجوده قرب فرائسه، وكذلك قلة موارده الغذائية أيضاًً، وشق الطرق في المناطق القريبة من بيئته، وإنشاء مشاريع خدمية تؤثر سلبا عليه وتزعزع أمكنة استقراره واستقرار الحيوانات البرية التي يتغذى عليها، كل ذلك أدى إلى ندرته ضمن السلاسل الجبلية العربية التي هي مكانه الأول منذ ولادته ونشأته. اللغة والثقافة والأدب وفضاء القصيدة مملكة النمر العربي .. إذا كان النمر العربي في الطبيعة الجبلية التي اختارها موطنا اِِر ومهددا بالانقراض كما تؤكد التقارير له بات حاله فيها خ ََط المتخصصة المتابعة لحياته، فهو ليس كذلك في دنيا اللغة والثقافة وفضاء القصيدة التي تجتمع سائر مفرداتها لتؤكد أن هذا النمر بملامحه التي اكتسبها من البيئة الجبلية العربية ترك رغم ظهوره الخفي والمتواري آثاره في أوكار كهوفها وعلى
39
38
2024 أغسطس 298 / العدد
النمر العربي في حضوره اللافت بين بيئته الجبلية وفضاء القصائد الشعرية
Made with FlippingBook - Share PDF online