torath 298 - Aug - 2024

النمر العربي: رمز ثقافي وبيئي في ذاكرة الجزيرة العربية

النمر العربي ذلك الرمز التراثي الجميل

الرمزية النمرية خرجت نفسي من المشهد بعد أن انهالت علي سيول الأسئلة: أََوََضعت في اعتبارك أن عنوانك هو (النمر العربي) الحامل لصفات رمزية؟ أتعرف ماذا حل بنمرك الذي اصطاده رجل من قريتكم في فلسطين اسمه (علي السعيد) بعد أن كوّّخ للنمر عند (عين علياء) فصار رم از للجرأة مع أن سيرته في القرية سيرة خجولة لا يؤبه لها. عادت نفسي تسألني: أتعتقد أن ذكرالنمرالعربي وهو يتسلق مدارج الجبال دليل على صفاء الذهن وأن بقاءه إلى الآن يجعل الحكمة ملقاة على عاتقك في تصوير حكاية النمر في التراث العربي. قلت: لقد ذكر العرب الحيوان ووصفوا الأنيسات والوحشيات فنطق شعر بها ونحن نعرف أن الوحشيات إنما تكون في حكايات البداوة، لذلك كان للذئب والأسد والنمر نصيب، أهل البراري يفهمون سلوك الضواري كما يفهمون سلوك الطيور والحشرات، ولا مبالغة إذا قلنا سلوك عيالهم من ضروب الأصوات ومخارجها، ولعل البدو وأهل الجبال تعلموا نظرهم الثاقب من سائر الحيوان، لكن السؤال: هل تختلف السباع التي منها النمر؟ والجواب لله في خلقه شؤون، أجل قد تختلف فمنها ما لا يأكل الجيف، ومنها ما يستطيب ذلك، بل منها ما لا تراه الأعين إلا في مواسم

محمد نجيب قدورة من فيض الخاطر الثقافي

أذكر كتابا قرأته بعنوان (نمور من ورق) ورواية كانت مقر ار دراسيا لكاتب هو تود هنري بعنوان (ترويض النمور).. قد أكون حزنت على مصير النمور في الكتاب وفي الرواية.. أجل ربما ذلك لأن النمر في مفهومنا الثقافي رمز قوة لا يضاهيه إلا ملك الغابة من السباع، ثم تجلت صورة النمر الطيب في كتاب (كليلة ودمنة) حيث قام النمر ببيان حقيقة ما حدث بين الأسد والثور على أن دمنة الشرير هو الفت ّّان الموقع بين الأسد والثور، أقول: في لساننا العربي سمعنا عبارة يستأسد ويستكلب ويستنمرأي يشبه حاله بحال أخرى أو يكتشف النقيض السلوكي في قول الشاعر: أســــــــــــــــــــــــــد علــــــــــــــــــــــــــي وفي الحــــــــــــــــــــــــــروب نعامــــــــــــــــة فتخـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاء تنفر مـــــــــــــن صفيـــــــــــــر الصافــــــــــــــــــــــــــر وإنما تضرب الأمثال لبيان أن النسور حول الجيف لا عكس ذلك عندما تذكر السباع، فالمقابل قلب أشد في الافتراس وأقسى قلبا من الصخر فالأمر حيث الأمر جلل، لا سيما إن كان الحديث عن السيطرة، أما في النمر فالنسق ما بين الحيلة والجرأة وسرعة الريح. قالت نفسي: كنت معجبا بخارطة جلد النمر وأنت تراقبه في حركاته وسرعة عدوه وانقضاضه على الغزلان والتماسيح.. هل عندك تفسيرلإعجابك بالنمورفتجعلها مبعث سرورفي حين منظرالنمرالقناص لم يهزشعرة من بدنك. قلت: لم ي ُُغش على بصري، ألا تعتقدين معي أن كل مخلوق ميسرلما خلق له، إنها سلسلة بيئية، فلا تجعليني أتخيل الكائنات من بشروحيوانات وحشرات جالسين على أرائك في عرائش آمنات.

بما في ذلك النمر العربي الذي سكناه الجبال، فكان لابد أن يوصف بالفراسة في استطلاع المكان من الأعالي كرمزية الصقروالنسروهذا من عجيب أمرالنمورالعربية التي تختلف عن نمور الغابات الصيادة التي تورث جلودها، ويكون في رؤية جلودها في المنامات تفاسير تختلف عن رؤية جلود الخيل، فجلود الخيل سقيا وجلود الجواميس حصون، أما جلود النمور فهي أرزاق كالإبل. وقد يكون من باب آخر للنمور رمزية لتهديد من رجل مذبذب طامع، لأنه ينقض انقضاضا يتعجب الناس منه كتعجبهم من خطف برق، وإن كان في دلالاته

73 2024 أغسطس 298 / العدد

72

النمر العربي ذلك الرمز التراثي الجميل

Made with FlippingBook - Share PDF online