torath 298 - Aug - 2024

النمر العربي: رمز ثقافي وبيئي في ذاكرة الجزيرة العربية

كذلك استفادت الأمثال الشعبية من صورة النمر في التعبير عن الحكمة المستخلصة من الطبيعة، فعلى سبيل المثال: ، ومعناه الحرفي أن The Leopard can’t change his skin”« النمر لا يستطيع تغيير جلده، ولكن يقصد به أن الإنسان لا يغير من طبعه فالطبع غلاب إشارة إلى الثبات على الطبع والصفات، كما يشير إلى أن الشخص الذي يكون قوي الطبع لا يتغير بسهولة أيضا ًً. في كتاب «كليلة ودمنة» للفيلسوف الهندي بيدبا، والذي نقله إلى العربية ابن المقفع يذكر مقطع عن النمر يصفه فيها إذ تقول الحكاية: «إن ّّا وجدنا في كتب خبردمنة أن الأسد لما قتل شتربة ندم على معالجته بالقتل وتذكر حرمته. وكان من جنود الأسد وقرابته نمركان من أكرم أصحابه عليه، وأخص ّّهم عنده منزلة، وأطولهم به خلوة بالليل والنهار. وكان الأسد بعد قتله شتربة يطيل مسامرة أصحابه ليقطع عنه بحديثهم بعض ما قد داخله من الكآبة والحزن بقتله الثور. وإن النمر لبث في سمره ذات ليلة حتى مضت هدأة من الليل. ثم خرج من عنده منصرفا إلى منزله. وقد كان منزل كليلة ودمنة قرب منزل الأسد، فدنا النمر من منزلهما ليصيب قبسا يستضيء به وكانا مترافقين. فسمع النمر محاورتهما ونصت لهما حتى سمع كلامهما كله، ووجد كليلة قد أقبل على دمنة يعذله ويقبّّح له رأيه وفعله، ويُُعظ ّّم له جرمه ويوبّّخه بغدره. وكان فيما أنبه به أن قال: إن الذي هي ّّجت بين الأسد والثورمن العداوة بعد المودة والفرقة، بعد الألفة والشحناء، بعد السلامة بسخافة عقلك، وقلة

وفائك لمظهرأمرك، ومطلع طلعه، ولازمك من بغيه ما تستحق عاقبته وتستمر مذاقته. فإن الغدر وإن لان عاجل ُُه واستحليت فروعه مر العاقبة بعيد المهواة وخيم المزلقة، وإني باجتنابك وترك مقارنتك والاقتداء بك لحقيق، فلست بآمن على نفسي من معرّّتك وشرهك وغدرك... فلما سمع النمرذلك من كلامهما انصرف خفيّّا مسرعا حتى دخل على اللبوءة أم الأسد فأخذ عليها عهدا ألا تفشي سرّّه إلى الأسد ولا إلى غيره. فعاهدته على ذلك فأخبرها بالقصة على وجهها من قول كليلة وإقرار دمنة.” ولا غرو أن نرى الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس يحب النموروحلم بها منذ صغره حتى تساءل بحسرة «لماذا لم ن ُُخلق كلنا نموار ؟!!»؛ لذلك كانت وثبته على ميراث الأدب الإنساني وثبة رشيقة وضارية كوثبة نمرجائع على فريسة انتهكت مجاله المحظور بغتة، وصدر قبل أعوام عدة عن اتحاد كت ّّاب وأدباء الإمارات كتاب شعري بعنوان «النمر الآخر.. خورخي لويس بورخيس»، ترجمة الشاعرالمصري الراحل محمد عيد إبراهيم ولم يغفل الأدب عن استخدام النمر كرمز، ولكنه قد يتوسع في الدلالات ليشمل فكرة النضال والصراع أيضاًً، سواء كان صراعا اجتماعيا أو فردياًً. فالنمر قد يمثل الفرد الذي يقاوم الظلم أو المجتمع الذي يسعى إلى تحقيق العدالة. في الروايات الحديثة، قد يظهر النمر كشخصية رمزية معقدة، قد يرمزإلى قوة الطبيعة أو قوة الإنسان الكامنة. يمكن أن نرى هذا في الأعمال التي تُُستلهم من التراث العربي وتعيد تقديمه في سياقات معاصرة، فالنمر في الأدب العربي يحمل معاني

نوزاد جعدان است ُُحضرالنمركثي ار منذ القدم في الشعرالعربي الكلاسيكي لرمزيته الواضحة في القوة والشجاعة. فالشعراء، على سبيل المثال، كانوا يصفون أنفسهم وأبطالهم بأنهم «نمور» ليبرزوا شجاعتهم وقدرتهم على التغلب على الصعاب. هذا التمثيل يمكن رؤيته في أسماء بعض الشعراء القدامى ومنهم: النمر بن تولب، وشيبان بن دثار النمري. والنمر حيوان انعزالي يعيش بمفرده، ولا يلتقي الذكر بالأنثى إلا في موسم التزاوج، وينفصلان بعد ذلك. ومعظم نشاطه ليلا وربما لهذا السبب قلت مشاهداته، فقل وجوده في الشعر، وإن ذكر فهو رمز للقوة والبطش. أما صوته عند الغضب يسمى الزمجرة وعند الاسترخاء والراحة فيسمى الهريروالغطيط والخرير. مع العصرالحديث ظهرمصطلح التنمرليدل على سوء المعاملة والتوحش فيها، وكذلك إسباغ صفات النمورعلى الأشخاص من كمال المدح. عيون النمر(طحلاء)، وأن طعامهم يتناوبون عليه لأن النمرلا يأكل فريسته كاملة، يقول مؤلف كتاب «حياة الحيوان الكبرى»، كمال الدين الدميري، في وصف النمر«أما النمروهو أخبث من الأسد، لا يملك نفسه عند الغضب حتى يبلغ من شدة غضبه أن يقتل نفسه». بين سطور الشعر وأوراق الأدب النمر المتواري

77 2024 أغسطس 298 / العدد

76 النمر المتواري بين سطور الشعر وأوراق الأدب

Made with FlippingBook - Share PDF online