torath 298 - Aug - 2024

إضاءة

الأبواب الخفية

لا يدركون أن هناك أبوابا في المكان تفضي إلى غرف قيادة ومراكزتحك ّّم عسكرية يقود منها القادة الكبارمقدرات الجيوش والحروب. هذه عظمة للأبواب وقدرتها - تضاف إلى وظائفها الأخرى المتعددة والتي يصعب حسابها أو تعدادها - إذا أضفنا إليها الوظائف المعنوية والأخرى الخفية. في قصص ألف ليلة وليلة سترى صوار متعددة بالعشرات لنوعية هذه الأبواب التي تخيلها وذكرها المخيال الشعبي كأن يذهب البطل إلى مكان مبهم أو مجهول، أو يدخل مغارة ليكتشف بابا مجهولا أو مخفيا يفتح على عوالم خرافية من النعيم والخضرة وعوالم السعادة وجنات الرحمن.. أو العكس على أماكن مفزعة وخطرة ومملوءة بالوحوش، هذا الإخفاء للباب في مثل هذه القصص الشعبية العظيمة مقرونة دوما بالمفاجأة غير المتوقعه ثوابا أو عقابا ربما للبطل أو المغامر أو الداخل. وفي مثل هذه القصص أيضا سنرى هذه الأبواب الخفية عادة ما تكون متراكبة لأغراض الإثارة والمتعة كأن أبوابا تفتح من أبواب وكل باب يؤدي إلى النقيض أو غير المتوقع ومن أشهر الأبواب في هذه الملحمة الشعبية التراثية العظيمة هي أبواب قصة علي بابا.. تلك العصابة التي كانت تغير على المدن والقصور والبلدان، وتأتي بخيرات سرقاتها إلى مغارة مكتنزة بما لا عين رأت من زمرد وياقوت ومرجان

باب ضخم يتسع للخيول وللركب العظيم بالدخول على مكان ساحر غامض مكتنز بكل ألوان وأشكال الكنوز، هذا الخيال الشعبي يضفي سحر الإحكام بأبواب خفية على كنوز عظيمة إنها عظمة الإخفاء للأبواب، الأبواب الخفية مازالت في عالمنا الآني موجودة أيضا لأغراض الأمن ومزيد من الإخفاء والتمويه لعدم الاختراق أو الولوج إلى أماكن فيها من الأسرار ما يجب حمايتها والحفاظ عليها بكل سرية وأمان تتعدى تحصين الباب وتصفيحه وزيادة مغاليقه ومتاريسه ومفاتيحه بإخفاء الباب ذاته حتى يحتار الرائي المتقصد أو الباحث عن باٍب لمكان يعلم أنه يحتاج أسراره أو الإطلاع على ما فيه لأغراض دنيئة أو مشبوهة أو مطلوبة لعدو أو مغير.. فمثلا هذا ما تفعله الجيوش والمؤسسات العسكرية في إخفاء أبواب بعض المخازن المهمة أو غرف العمليات فإن الأمن الوطني الداخلي يستخدم التقنية نفسها أيضا في اللجوء إلى هذه الأبواب السحرية أو المخفية. ففي غرف التحقيق المهيأة لاستقبال أعداء الوطن أو عتاة المجرمين والجواسيس للتحقيق معهم، ناهيك عن أساليب تهيئة الغرفة ذاتها كوضعية الكراسي ونوعها وطبيعة الأثات وشكل الغرقة بالعموم للتأثير، وتهيئة المحقق معه نفسيا أو بث القلق في أوصاله أو التأثير في نفسيته. فإن المحقق قد يدخل عليه من باب كان بالأساس غير واضح له، الحائط

الباب هذا الساحر العظيم.. الحارس الأمين.. واجهة البناء الفخم ودليل القادم للولوج إلى الأعماق.. ومفتاح الرائي للتعامل السلس مع مفردات المكان أو المبنى.. هو بداية الدخول الآمن ونهاية الخروج المطمئن من المكان. بديله وللغرابة سيكون في الظروف غير الآمنة أو الاستثنائية الشباك.. النافذة التي لها وظيفة مختلفة عن الباب فهي المختصة بدخول الشمس والهواء للمكان لتجديد البيئة بعافيتها الصحية داخل أروقة المبنى، تتحول في حالة الاضطرار إلى باب وبالتأكيد ستكون الظروف مختلفة كما في حالة الهروب أو في حالة الدخول لغير المسموح لهم أوالمشمولين للولوج من المدخل الشرعي الباب. ففي حالات السرقة والدخول لأغراض سيئة أو مشبوهة يفكر صاحب هذه الحالة في النافذة كباب محتمل للدخول المشبوه أو الذي يتم في غفلة من أهل المكان؛ لأن الباب الحارس الأمين لن يتواطئ مع لص أو ماكر عليه فيصدهما ويصير عصيا على الفتح والولوج منه لأغراض تدنس المكان، ولص يحاول الدخول للسطو والسرقة وإفشاء أسرار المكان المادية والمعنوية. هنا تتحول النافذة التي يمكن خداعها والتحايل عليها وتحويل وظيفتها النبيلة وغايتها البيئية إلى وظيفة تحل فيها محل باب آمن حريص منيع فيتمكن اللصوص أو المشبوهين من فتحها عنوة أو خلسة من مزاليجها والقفزمنها إلى عين المكان لقضاء سيئ يبغونه أو سرقة لأشياء المكان الثمينة. لكن الإنسان عبر التاريخ وخاصة في المباني الملكية أو القصور العظيمة أو القبور الفرعونية التي ما زالت عصية على فهم أسرارها حرص على إخفاء أبواب هذه القبورالتي ليس لها شبابيك كبديل محتمل للدخول إلى عمق القبور.. فمثلاًً: 100 أهرامات الفراعنة التي خلفوها في مصر وهي أكثر من هرم.. وأشهرها الأهرامات الثلاثة 200 هرم وبعضهم يذكر أنها المعروفة أهرام خوفو وخفرع ومنقرع وفي إحدى النظريات أنها قبور - أي إن كل هرم هو قبر لصاحبه - كل هذه الأهرامات، وبغض النظر عن فساد هذه النظرية أو صحتها، فإن الهرم لم يكن له باب وأنه أُُخفي عن أعين الرائين حتى لا يتمكنوا من الدخول إليه وسرقة المحتويات الثمينة والكنوز الذهبية الموجودة مع الجثة.. علما أن الباب للهرم الأكبرليس هو الباب

عبد الفتاح صبري روائي وناقد مصري

الرئيسي، ولكنه باب حفره اللصوص في زمانهم ليدخلوا إلى عمق الهرم ويسرقوا محتوياته. وإلى الآن ومع غموض عمارة الهرم والغرض منه يضاف غموض وخفية بابه الرئيسي أيضاًً.. هؤلاء العظام تمكنوا من إخفاء الباب لمزيد من الحماية ومزيد من الطمأنينة والأمان لداخله ومََن فيه. في القصور يتم استخدام هذه التقنية المعمارية لإخفاء باب يودي أو يفضي إلى حجرة خاصة مكتنزة بمحتوياتها أو أنها مخدع سري لصاحب المكان أو هو مكان آمن يمكن الهروب إليه ساعة الخطر، فيتم إخفاء الباب بطرق احتيالية كأن نرى الباب وكأنه دولاب أو صيوان أو صورة ضخمة تزين المكان - أو رف عليه تحف للزينة وتزيين للمكان. وفي الحقيقة إنه باب لا يعيه إلا صاحبه فقط أو صاحب المكان الذي أسهب في خداع الآخرين من خلال هذا التخفي للباب وتحويله إلى تحفة أو صورة أو صيوان. هذه الأبواب تستخدم في الأماكن العسكرية ومعسكرات الحرب أيضاًً، حيث إن الرائي لن يرى حتى المعدات الضخمة التي تختبئ تحت الأرض المموهة. وإن أبواب الملاجئ التي تعج بالجنود والقادة غير واضحة إلا للجنود والعسكر الذين يعرفونها والموجودين في المكان، وسنرى هذه التقنية في قيادات الجيوش والخلفيات العسكرية وغرف العمليات التي تقود الجيوش في المعارك البعيدة خفية عن الأعين غير المدربة أو العارفة، حتى إنه مثل هذه الغرف تكون في قلب المدن داخل مراكز مدنية ومباني مدنية تعج بالمدنيين وهم

وذهب وفضة وملابس ثمينة من الحرير والقشيب، واللافت للانتباه أن المغارة طبقا للقصة جزء من الجبل الساكن الذي لا تبدو علیه أمارات الغنى من الداخل، وحين تصل العصابة إلى الجبل يتم فتح الباب بواسطة زعيم العصابة بشيفرة تفوق الشيفرة الإلكترونية الآن أو الشيفرة الكهربائية، هي شيفرة صوتية فقط اِِفتح يا سمسم فيتحرك الباب الخفي، صخره تتحرك بقدرة وإمكانية الشيفرة الصوتية. اِِفتح يا سمسم لتتحرك الصخرة العظيمة من الجبل الصامت والساکن وينفتح

العادي ينشق عن باب يدخل منه للتو الرجل المحقق وينغلق فكأن لا باب في المكان سوى الذي دخل منه المجرم، هذه المفاجأة لإلقاء الدهشة والخوف وعدم اليقين لدى الشخص المحقق معه وإرباكه، وأنه لا شيء عصي على الجهة الأمنية حتى يستسلم بهدوء والإفصاح عما لديه من معلومات. هذه الوظيفة التي يمكن أن تضاف إلى سجل الباب لتفتح لنا مكامن الدهشة من الأبواب مجال متسع من الأمن والأمان والطمأنينة، ومن المكر والخداع وإلقاء الروع في قلوب من يراد بهم ذلك أيضا

81 2024 أغسطس 298 / العدد

80 الأبواب الخفية

Made with FlippingBook - Share PDF online