torath 298 - Aug - 2024

ارتياد الآفاق

رحلة بروح ساخرة علي الدوعاجي مسافر المركب النشوان م 1933 جولة بين حانات البحر المتوسط

محمد عبد العزيز السقا في نهاية الثلث الأول من القرن العشرين، وبينما إرهاصات النازية والفاشية تتلمس طريقها إلى المسرح السياسي في ألمانيا وإيطاليا، وقبيل ست سنوات من اندلاع الحرب العالمية الثانية، جاءت تلك الرحلة التي كتبها «علي الدوعاجي» بلمسات شاعرية، مفعمة بالظرف والطرافة والعبث البريء، مزينة برسوم معبرة غير متكلفة، كاشفة عن مزاجه الرائق وروحه المرحة التي انسحبت على كامل العمل. خبرة كتابية انتصرت للواقع على المتخيل، بحاسة رقيقة، وحدس شديد الصفاء في استقراء رياح التغيير والنفاذ إلى أعماق الأحداث والشخصيات التاريخية التي سوف ترسم التاريخ الأوربي وتقود إلى تلك الحرب التي جاءت كسابقتها بتحولات عاصفة كابدتها بلدان أوروبا وشعوبها ولم تسلم منها الأطراف، يحملنا علي الدوعاجي إلى ذاته الشاعرية، من خلال «عرض صورصادقة لا مبالغة فيها ولا خيال»، من خلاله جولته التي قام بها في فترة ما بين الحربين بين موانئ المتوسط: سردينيا، كورسيكا، نيس، مرسيليا، نابولي، بمبايي، بيره (بيريوس) أثينا، الدردنيل، إسطنبول، أزمير، ومن ثمة العودة إلى تونس، وقد . وأعادت مجلة «المباحث» 1936 إلى فبراير 1935 نشرت الرحلة متسلسلة في مجلة «العالم الأدبي» التونسية من سبتمبر بالتحرير والتقديم، وطبعتها سلسلة ارتياد ) 1 ( م، وقد تولاها الباحث والمترجم والكاتب الأستاذ علي كنعان 1944 نشرها عام . ) 2 ( م في أبوظبي، وعنوانها «مسافر المركب النشوان: جولة بين حانات البحر المتوسط» 2009 الآفاق عام

فمن هو الدوعاجي؟ م مولد ثلاثة أدباء تونسيين، أبو القاسم 1909 شهدت سنة الشابي، والدوعاجي، وإبراهيم بو رقعة، وقد ولد رائد الأدب الفكاهي وأبو القصة التونسية «علي بن صالح الدوعاجي»، في العاصمة تونس، وهو كاتب وشاعر ورسام كاريكاتير وزج ّّال وإعلامي فقد والده في سن الثالثة، ونشأ في أسرة برجوازية صغيرة، والدوعاجي قيل من الدعاجي من الدعاء، وربما تعاطى جده هذه المهنة في المساجد أو بين يدي الأمراء، ووزنها كمثل كفتاجي وقهواجي من المعروف في الصناعات والمهن التركية. والحاصل أن عائلته تعود أصولها إلى الجنود الأتراك الذين قدموا إلى تونس إبان استنجاد مسلمي شمال أفريقيا بالدولة العثمانية لصد العدوان من السواحل الأوروبية، وأمه تدعى نزيهة بنت شقشوق خصته بمزيد من الرعاية والدلال، خاصة بعد وفاة والده وربما منحته مزيدا من الحرية، وربما كانت الداء الذي تسبب في وفاته مبكارًً، تعلّّم العربية والفرنسية في المدرسة العرفانية القرآنية، وانقطع عن الدراسة وهو لم يراوح الثانية عشرة، ليواصل تكوين نفسه بنفسه عبر

المطالعة، فأقبل على التهام الروايات والدواوين الشعرية، واتصل بالمجالس الأدبية ومقاهي المثقفين، فالتقى بأبي القاسم الشابي والطاهر الحداد وصادق محمد العريبي، وعبد الرزاق كرباكة. تعددت مواهب الدوعاجي فهو شاعر وروائي وقاص وزجال وفنان كاريكاتير، إضافة إلى أنه كان كاتبا صحافيا ومذيعا أنتج برامج عدة، وأسهم في تحرير مجلة م 1936 «العالم الأدبي»، كما أسس جريدة «السرور» سنة وعرف بعموده الساخر فيها، «بالريشة والقلم» ويتجلى ثراء تجربة الدوعاجي في استخدامه القلم والريشة والألوان، عبر صفحات الجرائد اليومية والأسبوعية، أقاصيصه المسلسلة ورسوماته الكاريكاتيرية ضمن ثراء وتنوع نصي وفني عاش صاحبه حياة بوهيمية، مفض ّّلا السهروالتسكع ليلا على الخلود

89

م 1933 علي الدوعاجي مسافر المركب النشوان جولة بين حانات البحر المتوسط

88

2024 أغسطس 298 / العدد

Made with FlippingBook - Share PDF online