torath 298 - Aug - 2024

ارتياد الآفاق

القارئ الأريب للرحلة هو تلك النبرة الشاعرية التي يصف بها الدوعاجي المدن في مغامرة شيقة قل نظيرها في خزانة الرحلة الكلاسيكية أو المعاصرة. ولا أنكر أن الكاتب استطاع أسري بأسلوبه الخفيف ما مهد الطريق أمام عقلي للتنقل معه في سفره، وقد استطاع ببراعة أن يوظف تقنيات التكثيف والتشبيه البارع ليلصق جملة على لافتة كل مدينة، فــ«نيس» امرأة غانية مثيرة، و«نابلي» مدينة جميلة تقع تحت رحمة الله والبركان، و«بمبايي» هي مدينة فارغة، و«أثينا» مدينة أميّّة كجارتها «بيره» لكن أناقة سكانها تجعلها من عواصم العالم الجميلة. الدعابة الجادة! حسه الساخر الذي وظفه بحنكة وذكاء فطري شديد، ليبعث برسائل بين السطور على النابه أن ينسل من بين يدي الكتاب ليتأكد أنه أمام رجل «غير بسيط» وإن بدت كتابته كذلك، أذكر للقارئ على سبيل المثال عبارة استوقفتني عند وصفه الأثرية بالمدينة الفارغة وكيف تخلو بيوتها من ) 4 ( لمدينة بمبايي السكان وشوارعها من المارة في عبارة ذات مغزى: «.. غادرنا مدينة بمبايي غير المسكونة. والعجيب أنها غير مسكونة في إيطاليا التي ضاقت بربع الإيطاليين الذين يفتشون منذ خمسة . والدعابة عند الدوعاجي هي ) 5 ( قرون عن أرض يسكنونها..» تأسيس لمبدأ الدعابة الجادة، والدعابة عنده ظاهرة أسلوبية وسردية، وهي مذهب «علي الدوعاجي» في الحياة فضلا عن الكتابة، وهي توسل بالوقائع لسرد الأحداث، مع انتقائية تتخير اللقطات الطريفة المضحكة تتقاطع فيها ثلاثة عناصر للبنية

النصية هي المكان والحدث والموقف الهزلي، فهي بسيطة عند السرد، عميقة عند التأمل والتأويل. في النهاية لم يسلم أحد من دعابته، لا رفقاء الرحلة، ولا الجنود والمارة، ولا النساء، ولا دليل الرحلة، أو المترجمين، ولا طه حسين، ولا حتى هو نفسه فهو يصف نفسه بأنه سمين ورأسه كبير. من الرحلة أبدع الوصف: زوجتان! من أبدع ما وصف في رحلته عندما كانت السفينة تشق طريقها بين ضفتي المضيق وكانت على يمينه قارة آسيا وعلى شماله قارة أوروبا، وقد جلس على مقعد طويل في مقدم السفينة ينظر إلى القارتين نظرة المتزوج بامرأتين، الشرق بأسراره ورموزه بما فيه من روح سامية، بما فيه من نِِحََل وديانات ومذاهب، الشرق البذخ بقصوره وجواهره ولآلئه، وقطارالفيلة

البناء السردي والنص لا تنقل الرحلة لنا المدن عبر ملامحها وآثارها الجغرافية والعمرانية، ولا يطنب الرجل في وصف الأماكن وذكر حقائقها التاريخية وتعديد محاسنها المعمارية وملامح مجتمعها بشكل تقليدي، هو أدب رحلة لا يسير على قضبانها، ليس سردا ولا وصفاًً، بل هو كتاب مملوء بالهزل الجميل، بوسعك مطالعته في الصيف ترتشف منه كما يرشف الرحيق كلما ضاق صدرك أو اعتراك ملل، ومؤلفها يتجاوز التقليدية الرحلية، ويعلن ذلك في كتابه صراحة إذ يقدم رحلته على أنها: «نزوة فتى في ِح عن النفس �ِّ الرابعة والعشرين من عمره، يريد أن يتسلى ويرو في سياحة مستعجلة بين موانئ المتوسط»، في حين تنقل لنا الرحلة وصفا تفصيليا وانطباعات دقيقة عن تصرفات الناس وحركاتهم وأحاديثهم عبر مؤلف حاضر البديهة، دقيق الملاحظة حاد التعليق والانتقاد، وإمعانا منه بالسخرية، فقد اختار لرحلته عنوانا ساخ ار «حانات» المتوسط عوضا عن مدن الساحل العريض وموانيه؛ معللا ذلك بضيق الوقت قائلاًً: «إننا لم ن ََر من هذه الموانئ إلا حاناتها ومقاهيها»! ويعود ليؤكد أن دافع تدوين رحلته هو «تسلية القراء»، لكن ما سيلحظه

في فراش وثير، يبدأ حياته الساعة الخامسة مساء، وينهيها في الثانية بعد منتصف الليل، ثم بعدها يبدأ المطالعة والإنتاج إلى الصباح وكعادة الحياة مع الساخرين منها فقد أهدى الدوعاجي الضحك وجنى النكد، توفي الدوعاجي أعزب ََ، وحيداًً، منسياًً، مصابا بمرض عضال في أحد مشافي تونس بإدمانه تدخين الحشيش ا � م، متأثر 1949 العاصمة، عام . وهو لم يتجاوز الأربعين من عمره، وقد مشى ) 3 ( «التكروري» نه في جنازته التي صادفت يوما مطي ار قيل إنّّه حجب ا بعض خل ّا عنه البقية فيما اتهمهم بعضهم بالخذلان، غير أنه بقي في ذاكرة القراء طويلا كأحد أعلام الأدب التونسي المعاصر الذي صورت قصصه التعايش مع النفس والناس وثقافة الذات والآخر وهمزة الوصل بين المقهى والأدب، والجد والهزل. خط سير الرحلة م، إلى سردينيا، 1933 تبدأ الرحلة من تونس في صيف عام ثم كورسيكا، وصولا إلى نيس، ثم مرسيليا، ثم نابلي، وبمبايي، وبيره (بيريوس)، وأثينا، ثم إلى الدردنيل، ثم إسطنبول وأزمير، ومن ثم العودة إلى تونس مرة أخرى.

91

م 1933 علي الدوعاجي مسافر المركب النشوان جولة بين حانات البحر المتوسط

90

2024 أغسطس 298 / العدد

Made with FlippingBook - Share PDF online