ارتياد الآفاق
محمل بالحرير والعود والعاج والأحجار الكريمة يسير في طريق خال ناء في سلسلة جبال همالايا، واصفا زوجته الشرقية بفتاة ممشوقة القامة، سمراء اللون، سوداء الشعر بعينين نجلاوين ساحرتين كأعين الحجازيات، ترتدي الثياب الدمشقية المطرزة بالقصب والجوهر، عليها رسوم صينية تتحلى بأنفس اليواقيت والزبرجد، ولآلي من أعماق الخليج الفارسي والمحيط الهندي وشماخات جبال منشوريا، معطرة بأشذى عطورالسند، أمامها القيان يعزفن لها ألحانا شجية ملأى بالذكريات «الثقيلة»، وهي غارقة في مطالعة الخي ََّام شاعر الشرق، وأمامها منضدة من خشب الأرز المطعم بالأبنوس الأنامي والأصداف والمرجان، ونارجيلة من البلور «الإسطنبولي» تدخن من غليونها الصيني تبغ شيراز ومقدونيا، وهي هادئة الحركات لا تنقل نظرها من كتاب «الرباعيات» إلا لتلقي به على الصور المتشبعة الملونة بالألوان «الصارخة» في سجاد بخاري يكسو أو «يفرش» أرض الغرفة، أو على الآيات الكريمة المكتوبة بخط كوفي مزهر على الجليز القيشاني الذي يكسو الجدران. بينما زوجته اليسرى «أوروبا»: الغرب بمصانعه وآلاته وعدده ومداخنه التي خلقتها المادة والنظام والمطبعة والعقل الهادي تحت سماء ممطرة على أرض يكسوها الجليد تسعة أشهرفي السنة، وقطارالشرق الذي يقوم يوميا من باريس إلى إسطنبول يسيربسرعة تسعين ميلا في الساعة الواحدة، يشق في طريقه جباًلاً، مخترقا كهوفا وبحيرات وأنها ار على جسورقناطرمن فولاذ وإسمنت، وحمولته
آلات المدنية والموت الزؤام من آلات صناعة وإزهاق أرواح من أسلحة بيضاء وحمراء، وآلات تلفزة وصناديق أدوية وأحدث كتب العلم والحب، فكانت زوجته «أوروبا» شقراء جميلة بجسم رياضي، بيضاء اللون ذات عينين زرقاوين صافيتين، ترتدي فساتين السهرة الرشيقة من مصنوع نهج «لابي» منسوجة من سرير خشبي، وجوارب من حرير بلوري، وحذاء من جلد الثعابين الاصطناعي، تزين جيدها بعقود الكهرمان المطبوخ «الكيميائي»، جالسة على مقعد من جلد قوائمه من الكروم، في أفخم نزل سويسري جدرانه وسقوفه من الإسمنت المسلح، وأبوابه ونوافذه من بلور لا ينكسر، أمامها منضدة قوائمها من مسكتة ومطاط مجمد أكواب (بكاراي) ملأى بالشمبانيا المحببة، تدخن سيجار الهافان المخلوطة على الذوق الأمريكي، وهي تتسلى بالتفرج على المنزلقين على الثلج، في يدها مجلة لندنية لا تطالع منها إلا نكاتها أو صفحة المودة، وهي تود اختيار ثوب لركوب الطائرة وثوب يليق بظهورها في سباق «درباي» أو صفحة البيت لتتعلم أحدث طريقة لرقص «ادفعني..» أو أحدث طريقة لخلط «الكوكتيل»، تدير بطرف إصبعها زر المذياع لتسمع رومبا من سانت برتيلمي في جزر الأنتي أوفالز من فيينا يعزفه تخت بوهيمي به مئة وسبعون «كمان»... » نيس بعيون الدوعاجي غانية جميلة ترتدي أزهى فساتين السهرة الثمينة، ) 6 ( مدينة نيس
وفي جيدها عقد من أجمل العبارات والحدائق النظيفة. نيس مدينة الزهو والغرور، مدينة الشباب الجذاب المرح والكهولة المترية. نيس مدينة البذخ والرفاهية، مدينة الحب الإبليسي، مدينة الشهوة «الإنسانية»، مدينة القرار والانتحار. المرور من رصيف إلى آخر عملية يُُحسب لها ألف حساب، والنظر من وجه غادة إلى أخرى عملية يُُحسب لها ألف دقة قلب... وفي اليوم التالي كنا في طريقنا إلى مرسيليا، تحملنا عريتا ، مثل ) 7 ( (أوتوكار)، واجتزنا في طريقنا لشواطئ الكوت دازير ، وكانيو، وبالميش، وسان رفائيل، وكل هذه الشواطئ ) 8 ( كان متشابهة وكلها آهلة بحوريات يعشقن أشعة الشمس ويعرضن لها أجسامهن الناعمة ولا يخفين عن الشمس إلا ما قل ودل، والشمس بدورها ترد التحية بأحسن منها فتصبغ لهن بشراتهن بلون أسمر جذاب يزيد جمالهن ويجعل منهن تماثيل «برونزية « تصلح أن تعرض في معارض وشبابيك محلات (المودة). وبلديات الكوت دازيرلا تكلف نفسها إلا وسعها ولا ترغم الناس على الاستحمام بلباس خاص كما تفعل بلدياتنا هنا، بل تترك لهم الحرية في اختيار «مودة» الاستحمام، وأكثر مودات ذلك رواجا إنما هي «مودة حواء».. مع طرح ورقة الكرم التي كانت تتستر بها أمنا الخجول. وهذه مناظر لا تحكى إنها ترى..».. ويمكن للسائح أن يمشي مئات الكيلومترات بين نيس ومرسيليا راجلاًً، ولا يحتاج إلى أن يحمل معه أي شيء من ضروريات
المعيشة. إذ إن الطريق كله متلاصق البنيان والعمران وعدد المطاعم والأنزال يفوق عدد المساكن الخاصة. المعكرونة لا تدخل الفم! مقارنته في سياق الطعام ومكونات المائدة لم تخل من صعبة المنال ) 9 ( الطرافة، فيحكي لنا قصته مع المعكرونة فيقول: «المقرونة (هكذا يكتبها) الإيطالية التي هي أكلة لذيذة جداًً، حسبما يقولون عنها، وأحسن دعاية للفن الإيطالي الشهير لولا أن أكلها يتعب أفريقيا مثلي تعود الكسكسي. وضع اللذيذة واحترت في كيفية ) 10 ( أمامي طبقا من هذه الجعاب لفها حول الشوكة التي ليس لي فيها أي مأرب، وبعد الدرس والفحص سألت المدرس وكان بجانبي فوجدته في مثل حيرتي
93 2024 أغسطس 298 / العدد
92 م 1933 علي الدوعاجي مسافر المركب النشوان جولة بين حانات البحر المتوسط
Made with FlippingBook - Share PDF online