ارتياد الآفاق
فتركته إلى جماعة من الإيطاليين كانوا على مائدة بالقرب منا، ولسوء حظي وجدتهم يأكلون بقولا ولحماًً، وحان الفرج بقدوم إيطالي «محافظ» سمعته يطلب السباجتي، وما أن وضع الصحن أمامه حتى أخذ في يمناه شوكة وفي يسراه ملعقة، وأخذ يلف الجعاب على الشوكة بالملعقة في حركة رشيقة حتى كون منها لقمة بعث بها إلى فمه في حركة البرق. أخذت أقلده وكلما أدرت الشوكة في الملعقة زادت الجعاب تشعبا وتفرعاًً. وأخي ار تركت المعكرونة إلى طبق فاصولياء، أما المدرس، فإنه تركها إلى غيرها من الأطعمة، وهو يلعن المخترع
والمصورعن آدائه... وسأحاول وصفه لكم رغم وثوقي من عجز البشر عن وصف ذلك المنظر الغريب... «سماء زرقاء شديدة الزرقة، وقطع السحب موزعة فيها توزيعا مشوشا ولكنه جميل. والشمس تبزغ في ثوب برتقالي من خلف القباب والمآذن البيضاء. وبين أشعة الشمس البرتقالية وزرقة السماء «وصلة» من اللون البنفسجي. وهو اللون الذي عندما نراه مرسوما في سماء لوحة زيتية نقول في هزء: «إنها مبالغة من خيال المصور». ولكنني أقسم لكم أني رأيته في سماء إسطنبول». هذي سماء إسطنبول ساعة الشروق... لا، ليست هي كما وصفتها لكم. ولكن هذا ما أمكن أن أقوله عنها وأنا معترف بقصوري من الأول. وأتهم كل البشر بالقصور عن وصفها.
مدينة وفيها الميناء المعروف والواقع في جنوب شرق فرنسا، Cannes ) كان 8 ( إلى الغرب من نيس. ) يعود ذكر الباستا الإيطالية إلى القرن الثاني عشر، حيث ورد ذكرها للمرة 9 ( م، وسرنجاحها هو سهولة تحضيرها 1154 الأولى في كتاب للطبخ في صقلية عام من دقيق القمح والبيض ثم تقطيعها إلى أشكال مختلفة، مثل: السباغيتي أو اللازانيا أو الأنابيب المقصوصة بأحجام مختلفة. ) يرى محرر الرحلة الأستاذ علي كنعان أن الجعاب (جميع جعبة): كنانة 10 ( السهام، وأرى أن الرحالة قصد بالجعاب المواسير أو الأنابيب المقصوصة، وهي عامية تونسية متداولة ومنها قولهم لمواسير المياه في الري والصرف جعبة وجعاب وهي تشابه المعكرونة المقصوصة ويسميها أهل مصر مكرونة قلم أو أقلام لمشابهتها القلم. المراجع: ارتياد الآفاق، 1933 - مسافرالمركب النشوان: جولة بين حانات البحرالمتوسط، م. 2009 تحرير وتقديم علي كنعان، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، لبنان، - الظواهر الاستهلاكية الجديدة في المجتمعات المغاربية في الفترة الاستعمارية: «الشاي والتكروري» في البلاد التونسية، عبد الواحد المكني، قسم التاريخ - كلية الآداب والعلوم الإنسانية في صفاقس - الجمهورية التونسية. المجلة الجزائرية في م. 2003 الأنثروبولوجيا - إنسانيات، - الشعر ولغة الترجمة، عبد الهادي السايح، مدونة على الشبكة العنكبوتية. - الأدب الحديث والمعاصر، مصفى كيلاني، المؤسسة الوطنية للدراسات م. 1990 والترجمة، تونس، - مقومات الرحلة في - جولة - علي الدوعاجي، محمد نجيب العمامي، مجلة م. 2009 ، لسنة 89 - 88 المسار، ص ص
ترجمها غيرهم إلى المركب النشوان أما مركب السكارى فخطأ لأن السكر وصف الشاعر به المركب لا راكبيه والنشوان أدل على تمشي حميّّا الخمر والنشوة في الجسد وترنح صاحبه ترنحا لطيفا لا يجعله مبغضا إلى غيره، بل قد تكون صفة ُمحببة إلى اﻷدباء والشعراء، ومن القديم قول زهير: وقد أغدو على ثبة كرام ٍٍ.. نشاوى واجدين لما نشاُء ) مخدر التكروري المسموح به في ذلك الوقت في الأماكن العامة في تونس. 3 ( وفي تعريف بسيط أولي هو حشيش مخدر من الصنف الخفيف ويسمى في البلاد التونسية الحديثة التكروري والدخان الأخضر والكيف، وتضاف إليها تسمية القنّّب الهندي وقد أخذ تسميات ثلاث (تكروري، كيف، حشيش) في أمر المنظم لعملية بيعه وزراعته ومستهلكه ينعت في الاستعمال العامي 3-10-1884 التونسي «بالتكارري والتكارلي والحشايشي». وطبيا تصنف هذه المادة كمخدر مدخ ّّن بواسطة الفم والأنف. بومبي أو پُُمْْپِِيِِي هي مدينة رومانية كان يعيش فيها Pompeii ) بالإيطالية 4 ( عشرون ألف نسمة تقريباًً، واليوم لم يبق من المدينة إلا آثارها القديمة. ) يمكن تفسير عبارة «ربع الإيطاليين الذين يفتشون عن أرض يسكنونها» 5 ( بمعنى النزعة الاستعمارية التي كانت شائعة بين الإيطاليين في القرون السابقة. في تاريخ إيطاليا، كان للإيطاليين دور استعماري مهم في العديد من المناطق حول العالم، الطموح الاستعماري كان يدفع الإيطاليين للبحث عن أراض جديدة للسيطرة عليها والاستيطان فيها. ) ميناء في الجنوب الشرقي من فرنسا على ساحل المتوسط، بين مارسيليا 6 ( وجنوى. على بُُعد بضعة كيلومترات من إيطاليا وموناكو، هذه المدينة هي واحدة من أكثر الوجهات السياحية للفرنسيين والسي ّّاح من العالم. أو الشاطئ اللازوردي، هو جزء من الريفيرا Côte d’ Azor ) الكوت دازير 7 ( الفرنسية على البحر المتوسط.
لهذه الجعاب التي لا تدخل الفم!. المآذن الطويلة البيضاء - إسطنبول
لم أكن نمت أكثر من ساعتين عندما أتى الفرّّاش لإيقاظي. غادرت الفِِراش آسفا - وقلما تركته غير آسف - واغتسلت وارتديت ملابسي في حذر كي لا أوقظ رفقائي في الغرفة، وهم ممن لا يهمهم في الرحلة سوى زيارة المتاحف والكنائس والمساجد، وخرجت إلى سطح الباخرة. كنت كالمسحور أمام عظمة ذلك المنظر وهيبته: والباخرة تقترب رويدا رويدا من ميناء غالاطا. لا ي ُُرى أفخم ولا أجمل من منظر المآذن الطويلة البيضاء القائمة كأنها الشموع تحت سماء إسطنبول في ساعة الشروق. لإسطنبول في هذه الساعة من النهار سماء خاصة بإسطنبول لا ترى في غيرها. فيها من الألوان ما يعجز الشاعر
باحث في أدب الرحلة
الهوامش: ) شاعر وكاتب ومترجم سوري مقيم في الإمارات، ولد في 1936 ) علي كنعان ( 1 ( م، عمل 1965 قرية الهزّّة بحمص، تخرج بإجازة في اللغة الإنكليزية وآدابها عام في جامعة في حقلي الصحافة والإذاعة، وانتدب إلى اليابان لتدريس اللغة العربية طوكيو وله مؤلفات وترجمات ودواوين شعرية مطبوعة. ) المركب النشوان/ هو م ُُرّّكب إضافي تكرر على لسان غير واحد من الكتّّاب 2 ( 1854- العرب، وبالطبع هو من أشهر قصائد الشاعر الفرنسي المتمرد آرثر رامبو م، والقصيدة تصف الرحلة الأخيرة لمركب يترنح.. قبل أن يغرق. وقصيدة 1891 رامبو ترجمها بعضهم بعنوان المركب السكران وقال آخرون مركب السكارى فيما
95 2024 أغسطس 298 / العدد
94 م 1933 علي الدوعاجي مسافر المركب النشوان جولة بين حانات البحر المتوسط
Made with FlippingBook - Share PDF online