torath 298 - Aug - 2024

أدب ونقد

جمال مطر يستنطق الحيوانات لصيانة المدينة الفاضلة ربيع الغابة رواية تفتح نافذة على التراث وتبرز تناقضات العالم

أخرى إلى راو عليم استأثر بصوت السرد حتى نهاية الرحلة، محققا غاية الكاتب في بلوغ الموضوعية، وشمولية الرؤية، بينما ظهرت أصوات بقية الشخوص عبر المساحات الواسعة والكثيفة من الحوار، التي امتدت على طول خط السرد. أرجأ الكاتب الكشف عن هوية بطله في مفاجأة للقارئ، إذ تبين أنه فأر قبيح، يعاني تبعات قبحه؛ من تجاهل واحتقار حيوانات الغابة له، لا سيما حبيبته. ما دفعه لممارسة الحيلة، من أجل الانخراط في مجلس الملك «الأسد» ورفقته. واستغل عدل الأسد وسماحته، وكذا شقاق الحيوانات وانقساماتها، وجنوحها إلى النكايات والمصلحة الفردية؛ لتحقيق مآربه في الصعود إلى الحكم، وإزاحة الحاكم العادل، مستخدما الأغلبية، وحيلة الديمقراطية، التي لم ت ُُفرز إلا الأسوأ. «حاولوا هم الحفاظ على ما تبقى من أخلاق واحترام رأي الأغلبية، وإعطاء المساحة للحرية. ما كان يزرعه مليكهم كانوا هم من يسقون زرعه، ويولونه الرعاية والاهتمام، وهو أمرجميل، ولكن بهذا المبدأ أيضا فُُقد العرش، ووصل إلى أقبح مخلوق في 97 الغابة». ص

نشوة أحمد لعبت الحيوانات دور البطولة في العديد من السرديات الأدبية، في التراث العربي وفي الأدب العالمي أيضاًً، فقد استنطقها الكتّّاب مراارًً، لا سيما في كتاب «كليلة ودمنة» الذي ترجمه عبد الله بن المقفع في العصر العباسي من الفهلوية إلى العربية، وكذا في رواية «مزرعة الحيوان» للكاتب البريطاني جورج أورويل، ورواية «المحالفة الثلاثية في المملكة الحيوانية» للكاتب اللبناني أمين الريحاني... وقد تشاركت هذه النصوص وغيرها من الأعمال الأدبية، التي كان أبطالها وشخوصها المحورية من الحيوانات؛ غاية رئيسية، هي الإسقاط على الإنسان، وطرح قضاياه في قالب ٍٍ، رغم ما يتسم به من رمزية، فإنه دائما ما يكون الأكثرجاذبية وتحقيقا للأثر. وفي روايته «ربيع الغابة» يمنح الكاتب الإماراتي جمال مطر بطولة جديدة للحيوانات، فكانت شخوصه المحورية هي؛ الفأر، الأسد، النمر، الجمل، البقرة، الحية، الفهد... كما يستدعي صورة المدينة الفاضلة، ويسعى عبر بنائه إلى تمرير رؤى حول النفس الموسومة بالعطب، وما يمكن أن تلحقه بتلك المدينة الفاضلة من فوضى واضطراب، يزلزل استقرارها وينال من سلامتها. حميمية وموضوعية شرع الكاتب رحلته بتجهيل البطل، ولفه بغلالة من الضبابية والغموض، فضمن الإمساك بقارئه منذ اللحظة الأولى للسرد، عبر حيل الاستباق والتشويق. ومزج بين أساليب عديدة للحكي؛ فانطلق من أسلوب الخطاب الذي أتاح للبطل رؤية ذاته من الخارج وتقييمها، وسرعان ما تحول ضمير المخاطب إلى ضميرالمتكلم في سرد ذاتي؛ أتاح إمكانية استجلاء الأزمات التي تحتدم في العوالم الداخلية للبطل، على نحو أضفى على النص المزيد من الحميمية والصدقية، ثم تحولت الدفة مرة

نافذة على التراث شرّّع الكاتب نافذة على التراث، عبر ما استدعاه من موروث شعبي، يلصق خصال بعينها ببعض الحيوانات، مثل إلصاق المكر بالثعلب، والتلون والغدر بالحية، والسرعة ونقل الأخبار بالحمامة، والوفاء بالجمل. كما استدعى النمر بالصورة التي ترسخت عنه في الموروث الثقافي العربي، واعتباره رمز القوة والشجاعة والصلابة والإقدام، فلم يقبل الخيانة ونبذ الخائنين، وكان أوّّل من وظّّفه ملك الغابة في تتبع الشر والقضاء عليه. كذلك وظ ّّف الكاتب الثيمة الشعبية الموروثة من العداوة بين القط والفأرفي خدمة النمو الدرامي للأحداث. في روايته «ربيع الغابة» يمنح الكاتب الإماراتي جمال مطر بطولة جديدة للحيوانات، فكانت شخوصه المحورية هي؛ الفأر، الأسد، النمر، الجمل، البقرة، الحية، الفهد... كما يستدعي صورة المدينة الفاضلة، ويسعى عبر بنائه إلى تمرير رؤى حول النفس الموسومة بالعطب

ثنائيات متقابلة وعبر أطراف الحكاية أبرز «مطر» العديد من الثنائيات المتقابلة، التي تراوحت ما بين الخير والشر، الزهد والطمع، القبح والجمال، الخيانة والوفاء. والتي أذكت بدورها الصراع في النص لا سيما الصراع الخارجي، الذي جسده الفأر والموالون له من جهة، والأسد والموالون له من جهة أخرى. وعبر هذا الصراع أبرز الكاتب رؤاه، حول قوة العقل في الحسم، وقدرته وحده على الفوز والانتصار في المعارك. كما أبرزمستوى آخرمن الصراع الداخلي الذي احتدم في دواخل البطل، وثنايا النفس المأزومة، فانقسم بين نوازع رديئة من الشر والطمع، وبين الندم والأسف والشعور بالذنب. ولإبراز هذا المستوى من الصراع؛ لجأ الكاتب إلى تيار الوعي، وعمد لاستخدام تقنية المونولوج الداخلي. «صار يعاتب نفسه على أفعاله، ويتساءل: ماذا فعلت! أهكذا بكل سهولة تعزل الملك! أيعقل أن تتحرش بالفأرة، وتعيث فسادا في الأرض؟ هذا ما استحققته إذن؛ كائن مثلي دائم الحركة لا يرضى بالدنيا العريضة، وتكون نهايته حفرة! يا إلهي 104 ما خرجت من هذه اللعبة إلا بسواد الوجه!». ص

99

98

2024 أغسطس 298 / العدد

ربيع الغابة رواية تفتح نافذة على التراث وتبرز تناقضات العالم

Made with FlippingBook - Share PDF online