دراسات إماراتية
ِي مبتهـــــــــــــــــــــــــجا �ِّ
ولا ز ََه ََا بفنــــــــــــــــــــــــــــــــون الشعر ن ََادينـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
ْْوالكُُــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل يُُلََــــــــــــــــــــــــوّّح ويُُــــــــــــــــــــــــغن
الروحية والمكانة الاجتماعية التي حظيت بها «الرولة» في فترة مزدهرة شهدتها إمارة الشارقة، عندما كانت محطة للقادمين من الإمارات المجاورة وللزائرين من كل أقطارالدنيا، ففي ظلها يؤدون طقوس عيَدَي الفطر والأضحى، ويلتقون في رحابها بالمناسبات الوطنية.. كانت الرولة في ذلك الوقت من الزمان محطة استقطاب، ومرك از للمناطق الكبرى والرئيسية في المدينة مثل: المريجة والمصلى والشويهيين، وعندما جاورت «الرولة» شارع العروبة أصبح المكان أكثر حيوية مع الازدهار الاقتصادي والحركة العمرانية المتسارعة، وخاصة أن ميناء خالد أضاف إطلالة مائية رائعة إلى المشهد، وكان شاهدا على الروح البشرية الجامعة التي ربطت بين أهل الشارقة والتجاروالمستثمرين القادمين من أصقاع الأرض كلها. ووسط هذا الحراك البشري اللامتناهي، كانت الرولة وحدها الصامدة المتأملة، إنها تشكّّل الذاكرة الجمعية لأبنائها والشاهد الأمين على محطات حياتهم، فكم عايشت من أجيال وواكبت من أحداث وهي صامدة ثابتة، وسقوطها بعد هذا ًًا العمر المديد لا يعني نهايتها وطي صفحتها، إنها لا تزال رمز ماثلا للأصالة والإنسانية، وعنوانا للوفاء والعطاء، ومستودعا للشموخ والإباء أكاديمي سوري الهوامش والمراجع: . د. عبد الرحيم عبد الواحد (الرولة شجرة وميدان.. مصدر لإلهام الشعراء 1 ، بيان 2001 مايو 6 ، 7627 وزوالها أثار مشاعر الحزن)، جريدة ال يبان، العدد . 11 ، ص 69 الثقافة، الجانب الآخر، العدد . 3 - 2 . المرجع السابق نفسه، ص 2 . 4 . المرجع السابق نفسه، ص 3 . الف ِِجاج: مفرده الفج ّّ، وهو الطريق الواسع بين جبلين. 4 . 48 - 47 . سلطان خليفة، ديوان (وحي الزهور)، قصيدة (الرولة)، ص 5 . 135 . ح يبب الصايغ، ديوان (ورد الكهولة)، قصيدة (الرولة)، ص 6 ّيََة لِِيناًً، وتََغايََد ََت في م ِِش ْْيََتها: �ِّ . الغ ِِيْْد: مفرده أغيد وغيداء، والغيداء: الم ََرْْأََة الم ُُتََثََن 7 ت ََماي ََل ََت والغ ََي ََد: الن ُّّعومة. . المياسة: الفتاة المتمايلة المتبخترة في مشيتها. 8 ٍ؛ أي شكل تُُد ِِل به، وقيل دََلُُّها: ح ُُس ْْن هيئتها. �ٍّ . الد ََّل: نقول امرأة ذات دََل 9 . الأعطاف: مفرده عِِطََاف ُُ: رداء غليٌظ من صوف ونحوه، يلبس فوق الثيّّاب 10 اتقاء للبرد. . الأغن ّّ: الذي في صوته غ ُُن ََّة، وهو الذي يخرج صوته من الأنف. 11 . 47 - 46 . إبراهيم أبوملحة، خلفان بن مصبح، دراسة أدبية عن حياته وشعره، ص 12 ، متاح على الرابط: 2020 يناير 5 . الرولة ذاكرة التعايش العريق، 13 https://www.aletihad.ae/article/671/2020/
ولا غ ََد ََا ب ِِضــــــــــــــــفاف البحر م ََنز ُهُنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
ْْــــــــي العيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد ُُــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــب ووََح زََيََّنهــــــــــــــــــــــــا الح
قــــــــــــــــــــــــد ج ِِئنََــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا ) 4 (ٍٍ ِ ف ِِجــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاج �ِّ مِِن كُُــــــــــــــــل
ََّــــــــــــــــار س ََارِِينــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا ولا رأت ق ََهــــــــــــــــــــــــوة الس ُُّم
ِ لِِبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاس فََاخََرْْنـــــــــــــــــــــــــــــــــــا �ِّ ْْوب ِِك ُُــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل
ولا في ثََرََى الر ََّولة الفيــــــــــــــــــــــــحاء طاب لنا
ِ ح ََنــــــــــــــــــــــــــــــــون �ِّ ُُوهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي حنــــــــــــــــــــــــون كــــــــــــــــــــــــــــــــــــالأم
ٌٌح ُُسن الُُمقــــــــــــــــــــــــام وح ُُسن الح ُُور والعِِيْْنا
الرََّوض يََعبََــــــــــــــــــــــــق والأغصــــــــــــــــــــــــان وارفــــــــــــة
لا تــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــسأم لا تضـجــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر
تهتــــــــــــــــف بالأنغــــــــــــــــام ت ََلحينــــــــــــــــــــــــا ) 7 ( ٍٍوالغ ِِيد
) 5 (ْْ والموعــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد كــــــــــــــــــــــــــــــــان العــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــيد هكذا يرى الشاعر شجرة الرولة، تتجلى في ميدانها وتحت ظلالها الأفراح والمناسبات السعيدة وأيام العيد.. ميدان الرولة كان نقطة المركز في أيام العيد؛ حيث يلتقي الكبار والصغار ويتبادلون التهاني والتبريكات.. شجرة الرولة لا تزال تعيش في ذاكرة أبنائها الأوفياء وضمائرهم، كانت شاهدة على تاريخهم المجيد الممتد في عمق التاريخ، فهل لهم أن ينسوها؟ لقد كانت الملاذ والمنتجََع، وسقوطها ترك حزنا دفينا في قلوب الجميع، وسقوطها يعني سقوط عُُمْْر من الذكريات والعطاء والحياة الإنسانية.. لقد تصدّّعت القلوب لسقوطها وبكت العيون على رحيلها. ويرصد الشاعر اللحظات الأخيرة من عمر هذه الشجرة من خلال الأفعال الماضية التي يوظفها: جفّّت، انتحرت، تهاوت، اندثرت.. فأي حزن يجلل هذا المكان والرولة تلفظ أنفاسها الأخيرة؟! وإحساس أبناء الإمارات بفقدها كََمََن ف ََق ََد عزي از غاليًاً، واليوم كل م ََن يمر بميدان الرولة من جيل المعم ّّرين، يستعيد شريطا من ذكريات الماضي أيام كانت هذه الشجرة شامخة بأغصانها تطاول أعنان السماء وتحنو بظلها على أبنائها، وقد تنهمر دموعهم حزنا وتأل ّّما عليها. أي وفاء لهذا التراث العظيم المتمثل بشجرة الرولة! ويتطلع ح يبب الصايغ إلى تاريخ هذه الشجرة ورحلتها مع الزمن راصدا حركتها وهي ُُتعلن ساعة الرحيل: وََرََق أخضــــــــــر ورق أحمـــــر وجذور تم ُُــــــــــــــــر ولا تََع ْْبُُـــــــــــر ُُوحفيف من الوشوشات لم تك ُُن تِِلك ُُم الشجرة غير ر ُُوْْح تميل قليلا إذا مالت الشمس نحو الشمال ًًوتمضي إلى بيتها حين يمضي الرجال وكانت تميل قليلا تََح ِِن إلى الأرض أكثر ) 6 ( تََميل وتََكبُُر يرصد الشاعر رحلة هذه الشجرة مع الحياة ويتتبّّع لحظات
بالحُُســــــــن غانيــــــــــــــــــــــــــــة ) 8 (ٍٍ ِ م ََي ََّاســــــــة �ِّ مِِن كُُل
ل ِِي ْْن ََــــــــــــــــــــــــــــــــا ) 10 ( في أعطافِِهــــــــا ) 9 (ُُ ُُتََرََنََّح الد ََّل
الصــــــــــــــــــــــــوت تََحسََبُُــــــــــــــه ) 11 (ِ �ِّ ََــــــــــــــــدََت بِِأََغََن إذا ش
) 12 ( ِين ََــــــــــــــــــــــــــــــــا �ِّ
مِِزمــــــــــــــــار داوود مــــــــــــــــــــــــــــــــــا بين المغن إن الم ُُقام في أفياء شجرة الرولة هو أطيب ما يطيب للشاعر.. المكان روض جميل يعبق برائحتها الطبية وأغصانها الوارفة فتبعث في المكان سح ار وألقاًً، وتكاد تسمع لها صوتا شجيّّا ساح ار عندما تصطفق غصونها وتحتك أوراقها ببعضها، فأي سحر وجمال وبهجة تبعثه الرولة في المكان، وأي تأثير من الفتنة تتركه في نفوس القابعين في أفيائها وتحت ظلها؟! ويختار الشاعر من الكلمات ما ينسجم ومعطيات الجمال والسعادة والطيبعة الفاتنة: ضفاف، منزهنا، ثرى، الفيحاء، ح ُُسن، الروض، يعبق، وارفة، الغِِيد، الأنغام، مياسة، غانية، شدت... كلها مفردات توحي بالجمال والحُُسن وتبعث في النفس سعادة وراحة وتظلل المكان بحُُلّّة قشبية مقوماتها الخضرة والجمال والرائحة العطرة. وعندما سقطت الرولة ولامست جبهتها تراب الأرض، أيقظها شاعر مجهول بقصيدة عنوانها (دمعة على الرولة) يقول فيها:
ميدان الرولة بالشارقة
عمرها الأخيرة، فقد اختلطت أوراقها ما بين خضراء وحمراء، وبدأت تتبدل أحوالها معلنة بداية مرحلة جديدة من العد التنازلي في عمرها المديد، فيزداد ميلها نحو الأرض يوما بعد يوم، فلم تعد قادرة على الوقوف، شأنها شأن الرجل العجوز الذي لا يقوى على الحركة والوقوف، فحالها في كهولتها وشيخوختها ليست كحالها في فتوتها وشبابها، وهذه حكمة الحياة مع كل الكائنات، ومع كل مََيْْل لها تميل قلوب أبنائها ومحيبها الذين عاشوا عمرهم تحت ظلالها ينعمون بالراحة والسعادة، وحكوا تحت أغصانها قصص عشقهم وكتبوا على جذعها ذكرياتهم الجميلة. وتمضي الرولة ويمضي معها تاريخ طويل من الصمود والعطاء والمحبة. ويرصد الشاعر حركتها في أيامها الأخيرة التي تتجلى واضحة في الأفعال المضارعة: تمر، لا تعبر، تمضي، تميل، تحن ُُّ... إلى أن تسقط السقوط الأخير وتلامس أغصانها وأوراقها أديم الأرض.. ألا نشعر بانكسار القلب ومرارة الحزن وهي تهوي؟ أي حزن يجلل هذا المكان وهذا الصرح التاريخي المتجذرفي أعماق الأرض يتداعى أمامنا! والشاعر خلفان بن مصبح واحد من جيل القدماء الذين عايشوا شجرة الرولة أيام عزّّها ومجدها وشبابها فيرى فيها وفي ثراها السحر والعبق والجمال: ك ََأن لم يكن في أعالي القصـر م ََجلس ُُنا
دمعة على الرّّولة بِِدمع سال أزمانا أنا أبكيك يا رولة
ًًفي الأغصان نشوانا وأبكي فيك أصحابا ْْأهازيجا ورََيحانا مجالس أُُنْْس ِِنا وََلّّت ) 13 (ً وجاء العيد أحزان ًا
كلمات حزينة جاءت على لسان الشاعر ع ََف ْْو الخاطر لتعب ّّر عما يختلج في صدره من ألم وحسرة على سقوط شجرة الرولة؛ حيث سقط قلبه مع سقوطها، وبرغم البساطة والعفوية التي نقرؤها في كلمات هذه القصيدة، فإنها لخّّصت القيمة
103
102
2024 يونيو 296 / العدد
ًً
إحياء التراث في شعر الإمارات «نُُص ْْب وميدان الرّّولة»
Made with FlippingBook Online newsletter maker