دراسات
حياة أكثر صعوبة، لارتباطها بحياة الناس وتاريخهم وحضارتهم وامتداداتهم الاجتماعية والثقافية لذلك وجدنا السير تنطلق من شخصية بطلة نافذة في وجدان المجتمع العربي بأخلاقها الن يبلة وفروسيتها وبطولتها وغيرها من المزايا والصفات التي تحرص السيرة الشعيبة على نقلها لنفوس المتلقين، وقد هدفت إلى إيجاد النموذج القدوة في المجتمع العربي وقد عمد رواتها إلى الاستعانة بجملة من الفنون والعلوم التي منحت وأعطت نصوص السيرة المصداقية والقابلية منها علوم التاريخ وعلم الأنساب وأصبحت السيرة عند بعض الباحثين النواة الأولى لفن الرواية في الأدب العربي القديم، وتعد السيرة الشع يبة شكلا من أشكال التع يبر سواء أكانت النثرية أم الشعرية كعنترة أم سيرة كسيرة بني هلال، وسيرة الزير سالم وغيرها. وأسهمت في بناء هذه السير فنون عدة وأشكال تع يبرية كالشعر والأسطورة والحكايات الخرافية. - الحكاية الشعبية والحكاية الخرافية: 2 تعتبر الحكاية من أقدم الأشكال الأدبية وتتنوع بين الحكاية الشع يبة والخرافية والأسطورية وقد تطورت للسرد وصار لها أشكال وشروط ومتطلبات كالقصة القصيرة وبغض النظر عن جميع تلك المسميات فالنتيجة واحدة وهي الحكاية التي متطلباتها واحدة أو معروفة ولا يتغير في سياقها إلا الحبكة والحدث والعمق وجوانب الإبداع التي لا تخفى، والحكاية الشعيبة وصف لواقعة خيالية أو شبه خيالية أو حقيقية ابتدعها الشعب في ظروف حياته وسجلها في ذاكرته ورواها أفراده بعضهم لبعض بمرور الأيام وتوارثوها فيما بينهم مشافهة من أجل المتعة والتسلية. والحكاية الشعيبة تأخذ في تأليفها لغة اليسر والبساطة والسهولة ما يجعلها مح ببة فيه الكثير من الحب ا � عج بي ا � للنفوس فتتآلف معها تآلف والسحروالدهشة وذلك لاقترابها من فطرة الإنسان وشخصيته العفوية، بدوية أم حضرية على الرغم مما فيها من الدروس والعبر والمواعظ والمواقف والأفعال والتجارب التي قد تخفى على كثير من متلقيها وهي على الأغلب أسلوب من أساليب التربية لبناء شخصية قوية ومستقيمة وإيجابية وتعتبرحكايات ألف ليلة وليلة نموذجا حيًا للحكاية الشعيبة في تراثنا فهي تمثل بؤرة السرد الشعبي العربي، إن هذا الموروث يتشكل من مجموعة من أساطير وحكايات يتلاقى فيها التتابع والتجزؤ، أثرته الذاكرة الشع يبة العربية عبرعصورمختلفة إنما هو نتاج لتداخل ثقافات مختلفة (هندية وفارسية ويونانية) ترك العرب
فيها آثا ار واضحة، تتمثل في الروح العربية الشرقية المطبوعة بالطابع الشرقي البسيط، وذلك التداخل منح حكايات ألف ليلة وليلة خصوصية على مستوى البناء والمحتوى انفردت بهذه الخصوصية مما ساعدها لترتقي إلى العالمية. أما الحكاية الخرافية فهي نوع آخر من الحكاية الشع يبة، وهي ذات مكونات تجنيسية مميزة لها، تتحدد في شدة قصرها المطّّرد وفي بساطة بنائها المهيكل على أساس اثنين الأول الحادثة المجسمة للمغزى ويركز الثاني على الموقف الأخلاقي المباشر، كما أن أبطالها غالبًا ما يكونون بلا أسماء وعددهم قليل وهم إما حيوانات وإما نباتات وإما جماد وإما حتى من الظواهر الطيبعية (الشمس.. والريح.. والكواكب وغيرها)، وتختلف الحكاية الخرافية عن الحكاية الشعيبة في احتواء الأولى على عنصرالخيال والخوارق التي تتحكم في مسارالبطل بينما نجد الثانية تحكم الواقعية وتناقضات المجتمع، فهي تقوم على تعرية الواقع وتحليله لبلوغ أبعاد تلك التناقضات، ويعود زمن الحكاية الخرافية إلى مرحلة متقدمة في تاريخ العلاقة الغامضة بين الإنسان والكون، حيث يصعب تحديد البداية لغياب المعطيات التي يمكن الاستناد عليها، وتظهر خصائص الحكاية الخرافية بشكل واضح وجلي في كتاب (كليلة ودمنة) لابن المفقع وهو أول كتاب أدبي في موروثنا الحكائي انتقل بقصص الحيوان من المرحلة الشفوية (الفولكلورية) عند العرب إلى المرحلة الكتابية (الأدبية) ومن هنا تتجلى قيمته التاريخية والفنية معا بوصفه أول كتاب قصصي في تاريخ الأدب العربي متخصص في فن سردي واحد أي الحكاية الخرافية على لسان الحيوان، وهو كتاب في التوجيه والإصلاح
السرد الشعبي مصدرا لاستلهام التراث
على مضمونها وشكلها وبعض صيغها التي وصل بعضها إلينا، لهذا فإن الأدب الشعبي وجد مع وجود الحياة العربية وتطور بتطورها وقد تمظهر السرد الشعبي القديم في أشكال مختلفة ومتنوعة، وقد وصلنا هذا التراث السردي مرويا أو مدونا ومن أنواعه: - السيرة الشعبية: 1 لقد عرف الأدب الشعبي العربي فن السيرة الشع يبة ذلك الفن الذي يمتزج فيه مجموعة من الفنون المختلفة كالرواية والغناء والعزف والتمثيل في بعض الأحيان، لقد تناقل هذا الفن عبر العصور حتى وصل إلينا، ويقصد بها القصص الشع يبة التي تنمو وتعيش بيننا وترتبط بتواريخ ووقائع وأحداث عن شخص أو ق يبلة وتغلب عليها نوع من المبالغات والخوارق التي تضيفها عليها المخيلة الشع يبة مما يدرجها في عالم الخرافات والأساطير، وتعتبر السير الشعيبة بقصصها وخرافاتها وحكاياتها إنما في بعضها ردود على مشكلات نفسية واجتماعية وقد تؤدي وظائف اجتماعية وتربوية، وهي تؤدي أدواار وطنية وسياسية ونضالية عندما تكون ملجأ للشعوب أو الأمم في مراحل الضعف والركود، والسيرة الشع يبة تحرص على هدفها التاريخي في المقام الأول ولا تتحول عنه حتى نهايتها، وأبطالها يتحولون إلى أبطال قوم يين ونماذج ورموز بطولية يضرب بها المثل ويقتدى بها في الشجاعة والبسالة والفروسية والإقدام والحكمة مثل سيرة عنترة بن شداد، فتتجاوز بُُعدها الثقافي الشعبي لتدخل بعدا اجتماعيًا تاريخيًاً. لقد نشأت السيرة الشع يبة العربية في ظروف صعبة وعاشت
فاطمة سلطان المزروعي يعتبر التراث الشعبي العربي ثروة هائلة ومخزونًا لا ينفذ من الأسطورة، أو الملهاة، أو الحكاية الشعبية، أو السيرة الشعبية أو الحكاية الخرافية أو المثل أو الأحجية، وشك ّّلت ما يعرف بالسرد الشعبي أو الأدب الشعبي الحكائي وقد تداخلت تلك الأنواع كلها في بعض الخصائص واختلفت في بعضها الآخر، وكان كل ذلك مدرسة تعليمية كبرى، تتعلم فيها الأجيال، واحدا تلو آخر، قيم الخير والعمل والبطولة والإخلاص، وقد حظي السرد الشعبي باهتمام من الدراسين والنقاد في كتاباتهم النقدية المختلفة تنظيار وممارسة، وقد وجد السرد منذ أن وجد الإنسان وفي المجتمعات كلها باختلاف أشكاله من اللغة المكتوبة والشفوية ولغة الإشارات والرسم والتاريخ وفي كل ما نقرؤه ونسمعه سواء كان كلاما عاديا أو فنياًً، فالحكي يمكن أن يظهر في اللغة المفصلة مكتوبا كانت أو شفوية فهو حاضر في الأسطورة والخرافة والحكاية على لسان الحيوان والحكايات الشعبية والقصة القصيرة والملحمة وغيرها. وقد عرف السرد لدى العرب منذ العصرالجاهلي بطابع شعبي شفوي، فقد كانوا يتسامرون ببطولاتهم في حروبهم إلى جانب رواية بعض من الأساطير والخرافات عن الجن والشياطين، فالقصة في الجاهلية كانت قصة شفوية رويت على الألسنة، وكانت تتعرض للتحريف والتغ يير في زمنها، لكنها حافظت
105
104
2024 يونيو 296 / العدد
السرد الشعبي مصدرا لاستلهام التراث
Made with FlippingBook Online newsletter maker