دراسات
وتقويم الأخلاق وتهذيب النفس بأسلوب قصصي هادف وقد ورد على ألسنة البهائم والطيورعلى شكل حكايات يتفرع بعضها عن بعض وهي متسلسلة بخيط سردي رفيع يراعي فيها أسلوب الحكي والحبكة وتسلسل القصة ومدى تأثيرها في المتلقي. وفي بادية الإمارات، نجد الحكاية الخرافية الواحدة تُُروى بأكثر من طريقة، تبعا لاختلاف القبائل واختلاف عاداتها وأماكن حدوثها، ونظرتها إلى أدق الأمور والتفاصيل. ويصل الأمر إلى أن الحكاية الخرافية العالمية، تتحول إلى حكاية عربية بدوية تتناسب مع ط يبعة البدو، من حيث العادات والتقاليد، رغم كون أصل الحكاية فرعونيًا أو إغريقيًا أو ألمانيًاً. وتبدو الحكايات متأثرة بحكايات وأساطير عربية وغربية، بالإضافة إلى تأثرها بالتراث الديني الإسلامي والوثني. ثم نجد العلاقات الاجتماعية العربية تتداخل في ثناياها، مختلطة بعوامل التشويق السردي وخاصة بالأفعال الخارقة. وقد يضيف الراوي إلى هذه الحكايات بعضا من شخصيته أو بيئته أو حالته النفسية، فطوّّع الحكايات وغي ّّرفيها، لتتناسب مع بيئته وزمنه. وهذه التأثيرات والمكونات كلها، جمعتها هذه الحكايات في أشكال متعددة من مفردات اليبئة البدوية في الإمارات، وتعتمد الحكايات العجائ يبة على الخيال وتتمركزأحداثها حول بطل ذي صبغة غير إنسانية أو من عالم الكائنات اللا مرئية مثل الجن والغول والحيوانات الممسوخة وغيرها، من تلك الحكايات العجائ يبة التي ترتكز على شخصية الغموض، وفي هذا العصرنشاهد هذا الكم من الإنتاج الروائي القصصي الذي يضم بين جنباته الكثيرمن التطوير. ونذكرمن هذه الحكايات حكاية أم الص يبان أبو السلاسل، وبابا درياهو، وأم الهيلان، وأم كربة وليفة، وبعير بلا رأس، وبعير بو خريطة، وبو راس، وجني الرقاص، وحمارة القابلة، وخطاف رفلاي، وروعان، وسويدا خصف، وأم الدويس،.. وغيرها. والكاتب كامل عبد الملك في كتابه (ثقافة التنمية: دراسة في أثر الرواسب الثقافية على التنمية المستدامة، يتحدث عن الرواسب الثقافية وأثرها في المعتقدات من خلال تتبعه لبعض مظاهر الحكاية الشع يبة التي تنتشر في المجتمع العربي، ولعل أكثرها برو از وانتشا ار ما يرتبط بالمعتقدات السحرية والمعتقدات المرتبطة بالتفاؤل والتشاؤم وأن الكثير من الأشكال الطقوسية التي ترتبط بهذا الاعتقاد لا تمت للإسلام ولا صلة لها به، بل هي اعتقادات ناتجة عن تقليد وثني، فالإنسان التقليدي ينسجم مع اليبئة كلما استسلم لإيعازالزمن الكوني وخضع له وهو بذلك يستلهم
الحكمة والمهارة في التعامل مع الظروف والمشكلات التي قد تواجهه في حياته، لذلك أسهمت الحكاية الشع يبة في توطيد الروابط الاجتماعية بما تحمله من قصص عن القيم والروابط الأسرية وتخلق جوا من التواصل بين الراوي والمستمعين سواء كانوا أبناءه أو زملاءه، وكانت الحكاية الشع يبة عبارة عن انعكاس لهموم المجتمع حيث تروي ما يقاسيه الصياد من الفقر أو التاجر من الغربة ومشكلات الأسرة، ومن ثم تصبح تلك الشخصيات الغرائيبة المتخيلة في ذاكرة المجتمع هي الحل للكثير من القضايا في المجتمع فيتم تداول الحكايات وانتشارها بشكل ك يبر بين الناس، وفي هذا السياق أرى أن الحكايات الشعيبة مرآة للمجتمع في الماضي، حيث تُُطلعنا على الطريقة التي كان يفكر فيها ويعيشها أجدادنا وتجعلنا ندرك همومهم ومشكلاتهم وطموحاتهم، فهي تراث أصيل وجميل يجب الحفاظ عليه في الكتب واستخدام وسائل التقنية من أجل نشره، فنسيان الماضي والتراث أثناء مد التطور خطأ فادح يرتكب بحق المجتمع، فهناك الكثير من الحكايات الشع يبة التي لم تسجل ولم تسرد، حتى الآن، منها ما كان يقال على ألسنة ركاب القوافل والصيادين والتجار في الماضي وأصبحت تواجه خطر الاندثار، لذلك كانت الحكايات الشعيبة في الإمارات هي الحقل الأهم والأغنى في الأدب الشعبي وهي الأكثر تداولا بين فئات المجتمع، فهي تعبّّر عن هموم المجتمع ومخاوفه وآلامه فلا يكاد يخلو بيت من ذكرها على مر الليالي والأيام وعبر الأزمان المختلفة. من ا � هي الحكاية التي تحوي مزيج - تعتبر الأسطورة 3 مبتدعات الخيال والتقاليد الشعيبة التي تهدف إلى إجلاء حقيقة الحياة أو تغ يير ثوابت الواقع وتحريكها، وإعطاء تفسير ميتافزيقي لظاهرة أو عادة ما، أما التعريف الأكثر اتفاقا بين أهل الاختصاص فيرى أن الأسطورة مأثور شعبي يحمل سمات العصور الأولى القديمة، مفسرة معتقدات الناس العامة إزاء القوى العليا كالآلهة وأنصاف الآلهة، وأهم ما يميز الحدث الأسطوري هو التهويل وطلب الخوارق والتغريب ونشدان العجائب، فالأسطورة لم تكن أسطورة إلا بفضل هذه الخصائص التي نذكر منها الانتماء إلى المجالات المقدسة، وقد كانت للعرب قبل الإسلام أساطير عديدة تمثل المراحل الأولى للمعرفة التاريخية والإنسانية، حيث عبّّـروا عن تساؤلاتهم عن حقيقة الإنسان والوجود من حولهم، وهذا ي يبن أنها مرجع لتاريخ العرب الجاهل يين وفيها تبصرة بحياتهم الدينية والفكرية
حيث كان دين العرب الجاهل يين هو العامل الأول في تشكيل أساطيرهم فقد كانوا يعبدون الأصنام متبعين آباءهم الذين عبدوها في الزمان الخالي، وقد اتخذت كل ق يبلة صنما خاصا بها لتعبده وتفرغ إليه الشدائد وترى فيه من يفرج الكروب. ومن أمثلة ذلك ق يبلة حمير التي اتخذت نس ار إلها لها، كما يقال عن العرب إنهم كانوا يعبدون شجرة بالقرب من جبل عرفات يذبحون لها ويقدمون القرابين ويدعونها وعرفوا بعض الأساطير الخاصة بعيادة الكواكب فمنهم عبدة الشمس رأوا فيها قوة قاهرة فجعلوا لها صنمين وكانت إذا طلعت خرجوا لها ساجدين وهكذا كان العرب القدماء يمزجون بين ديانتهم والأساطير، وكان الخيال العربي هو الب ُُعد التصوري الذي يولد الأسطورة التصويرية، وليس الخيال الاختراعي الذي يصنع الأسطورة الاختراعية، من هنا فالعربي يتصورالأشياء ولا يخترع القصص حولها، فقد كان يقيم الأوثان في هيئة يرسمها ويلونها بألوان التخيل. وعليه إذا حاولنا البحث عن أسطورة عربية علينا أن نراها في خيال تصوري عند عربي يلعب بالألفاظ وخيال لم يحل دون وجود جميع أشكال الأسطورة عنده، إذا فإن كيفية بنائها هي اللعب بالألفاظ وتنميق العبارة، لأن الإنسان العربي مغرم بتسمية الشيء وفق ما يتصوره له من مزايا أي الأسطورة العربية القديمة اشتغلت على الشكل على حساب المضمون. لا نستطيع أن ننكر الجهود العربية في استلهام التراث الشعبي وهناك أعمال كبرى في مجالات الرواية والقصة والمسرح والفن والموسيقى والفن التشكيلي وغيرها عكست الكثير من تراثنا الشعبي لعل من أشهر هذه الأعمال حكايات
ألف ليلة لقد ألهمت السينما العالمية بالكثير من الأعمال الإنسانية منها: فيلم سندباد البحار، وفيلم لص بغداد، وفيلم علي بابا والأربعين حرامي، وفيلم علاء الدين وملك اللصوص،.. وغيرها من الأعمال التي لاقت نجاحا على المستويين العربي والغربي وكان مصدرها استلهام التراث العربي وتوظيفه من ق ِِبل الغرب، كما انعكست القيم الاجتماعية والثقافية في مجالات السرد التراثي في الإمارات وبخاصة في القصة والرواية، حيث ارتبطت بالحياة اليومية للمجتمع الإماراتي وكانت هناك الكثير من المفردات التي تم تناولها في السرد، والتي رصدت الحياة فكان السرد أشبه بلوحة بصرية تلقط مشاهد الزمن الماضي مما خلق تراكما ورصيدا يضيف نوع من الخصوصية على الأدب الإماراتي. وخلال العقدين الأخيرين ظهر جيل جديد أصر على التمسك بالقديم وتقديسه ودمجه مع الفن الحديث دون الإخلال بالاثنين، فقد ظهرت أعمال كثيرة تناولت الأدب الإماراتي، مثل: رواية زرب الدبش للكاتب الجمعة الليم إلى عوالم من التراث الإماراتي التي تتميز بها فرجان الشارقة، وقصة درب أم الدويس لسارة النواف، واستغلالها لأسطورة أم الدويس، ورواية شاهندة للأديب راشد عبد الله النعيمي، وساحل الأبطال للأديب علي محمد راشد، ورواية رائحة الزنجيبل للأستاذة صالحة عيبد غابش، وغيرها من الأعمال التي وظفت التراث واستطاعت أن تقتنص من التاريخ الشفهي والتراث وتوظفه بصورة متجددة ومبتكرة أسهمت بنشره في المجتمع الإماراتي والعربي وغيره من المجتمعات رئيس قسم الأرشيفات التاريخية - الأرشيف الوطني
107
106
2024 يونيو 296 / العدد
السرد الشعبي مصدرا لاستلهام التراث
Made with FlippingBook Online newsletter maker