الابتكار في التراث: تجاوز للزمن برؤية مستقبلية
الابتكار والأصالة.. رؤية عصرية في الحفاظ على التراث
خالد صالح ملكاوي ليس منا من لا يستشعر ما حمله التطور الحداثي المتسارع في هذا العالم المضطرب من تهديد للتراث بالانقراض لصالح المستقبل، وأن مهمة الحفاظ على التراث غدت تحديا مستم ارًً، ولم تََعد مهمة وطنية فحسب، بل وعالمية أيضاًً، الأمر الذي عظ ََّم من قيمة الخيار الذي يسلّّم بأن التراث ليس مصد ار للهوية والفخر والانتماء فحسب، بل هو محف ّّز للابتكار والإبداع والنمو الاقتصادي أيضا ًً، ويقوم على استيعاب وتحقيق ثلاثية «الأصالة والابتكار والإبداع»، في الثنائية الثقافية والحضارية الدقيقة التي يقوم الجمع فيها على التمثُُّل والتوفيق لا التلفيق، والاستيعاب العميق لمكونات التراث الحي المتجدد وعناصره، والسعي للانطلاق إلى آفاق أرحب بإبداعات أصيلة وابتكارات جاذبة متماهية مع حاجة اليوم، ومنسجمة مع مستجداته الثقافية. ومن المعروف أن التراث کان ابتكا ار في الأصل، ثم حصل فيه تطوير، فالتطورالتاريخي للمجتمع ما هو إلا سلسلة من الابتكارات التراكمية في إطارالظروف المكانية والمناخية التي عاشها المجتمع في الماضي، ما يجعلنا نوقن بأنه مع التحدي السالف الذي يتهدد التراث، يبرز الابتكار ليمثل مفتاحا لتحقيق التوازن بين الماضي والحاضر والولوج إلى المستقبل، وليساعد على الحفاظ على التراث وإعادة اكتشافه وتحديثه وتطويره، وهو يشكل عاملا قويا في التعزيزالإيجابي على أكثرمن صعيد؛ فيعمل على تعزيز الهوية الثقافية والتفرد والتميز الثقاف يين للشعوب والمجتمعات، وله دوره في تعزيز التنمية المستدامة للمجتمعات التي تعتمد
2020 معرض إكسبو دبي
بشكل ك يبرعلى تراثها الثقافي، إلى جانب فعله في تعزيزالفهم والاحترام المتبادل بين الثقافات المتنوعة، وكذلك في تعزيز التفاعل بين مختلف الأجيال. وحتى وقت قريب، ظل مصطلح الابتكار في الموروث الثقافي يشكل ريبة لدى الكثير من المثقفين الذين يرون فيه إدخالا لمصطلحات السوق إلى حقول الثقافة والتراث، ويخشون معه من ضياع الحدود التي تميزالموروث، ويظن بعضهم أنه إقحام في غير محلّّه. ومع أن هذا المصطلح ما زال تحت الإنضاج، ويحتاج إلى مزيد من العناية والتأمل والنظر، غير أن من أبرز ما يلتقي حوله العاملون عليه أنه مصطلح يقود إلى استحداث ذي قيمة في المجالات الثقافية والتراثية، سواء جاء الابتكار متمثلا في إدخال تغييرات جذرية في الأساليب التقليدية والمتبعة في مكونات الموروث الثقافي، أو تحديثها بإضافة عناصر جديدة ومبتكرة، أو إيجاد طرائق جديدة للتع يبر عن مفرداته وتناولها وتفسيرها، وذلك مع الحرص على المواءمة مع اليبئة الحاضنة ووفق الخصوصية الثقافية للمجتمع. وليس بمقدور أحد أن يقلل من ضرورة الابتكار في الموروث الثقافي، إذ يُُبِرِز الابتكار الموروث كقيمة حضارية سامية ولبنة مهمة
من لبنات الاقتصاد والنهضة الحضارية الإنسانية، لأنه يخدم بحق تحقيق التطور والتقدم في المجالات الثقافية، ويعمل على تليبة احتياجات المجتمعات المتغيرة والمتنوعة في العالم الحديث، كما يُُعد هذا الابتكار عاملا رئيسيًا في تطور المجتمعات وتقدمها الحضاري، وأداة مهمة في تعزيز التميز الثقافي، فنحن نعيش في عصر عولمة يضاعف من الحاجة إلى الابتكار الثقافي لكي يساعد على تميز المجتمعات والأفراد والمؤسسات في مجالات موروثاتهم الثقافية، كما أن ثمة حاجة إليه في بناء الهوية الثقافية الفريدة لكل مجتمع. ولا يمكن إنكار دور الابتكار في الموروث الثقافي في تحقيق النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل جديدة في المجالات الثقافية من خلال تجديد المنتجات والمعارض والأفكار الجاذبة، إذ تتصاعد حمى التنافس بين الدول والمجتمعات في الجذب السياحي والكسب الاقتصادي. مفهوم وأنماط إذا ما سلمنا بأن الابتكار في التراث هو استخدام الإبداع والتجديد للتقاليد والعادات والفنون التقليدية بهدف تطويرها،
مدينة مصدرأبوظبي
برج كابيتال جيت في أبوظبي
11
10
2024 يونيو 296 / العدد
الابتكار والأصالة.. رؤية عصرية في الحفاظ على التراث
Made with FlippingBook Online newsletter maker