تراث النغم
الأب الروحي للأغنية الشعبية الكردية حسن زيرك أستاذ الغناء الكردي والناقل المخلص للتراث الفني
نوزاد جعدان يعتبر الفنان الكردي حسن زيرك واحدا من أكثر المغنين إبداعا من الذين أنجبتهم الأمة الكردية في مجال الغناء والفن ومدرسة غنائية مختلفة وخاصة، وذلك بصوته الشجي كأنه الحبل السري يعيدنا إلى أمّّنا الحياة حيث تنطلق الروح بصراخ أو ضحكة لنقول يا الله!.. تلك الموهبة الحقيقية التي تبقى كوردة لا تغير فستانها ولا تبدل عطرها مهما امتد الزمن مغسولة بماء فطرتها.. يفرش بموسيقاه لحافا للغيم كي يتدثر المطر ثم يسحبه إلى مائدتنا ونحن نتحاور حولها عن الحب والبلاد.. نقل لنا التراث الكردي وعلّّق عناقيد من ضوء على محراب المستقبل.. الولادة والنشأة ولد زيرك في مدينة بوكان في إيران في التاسع والعشرين من ، يتيم الأب ثم تزوجت والدته 1921 تشرين الثاني من سنة لتتجلّّى كل معاني قسوة الحياة وبشاعتها في طفولته البائسة، عانق الطفل الصغير أوجاع الحياة رغما عنه، لم يلتحق بالمدرسة كجميع الأطفال بل اضط ّّر للعمل وهو في الثامنة من عمره في أعمال مجهدة من بيع المرطّّبات إلى العمل في المقاهي إلى أجير باص ومن ثم العمل عند أحد الآغاوات فصوته الشجي الجميل كان مدخلا ليغني الأغاني الفلكلورية التي حفظها جيدا في المضافة الخاصة بالآغا في الأمسيات والسهرات الغنائية، هناك وعى وجوده وذاته ليقابل شظف العيش ومرارتها بالغناء والموسيقى ويترفّّع عن الظروف السيئة بإحساسه المرهف العميق الذي نفذ إلى قلب ووجدان كل من سمعه. مع مرور السنين كبرت موهبة الصبي اليافع وص ُُق ّّلت تجربته بالحياة والموسيقى أيضا فقد عمل في أعمال عديدة ومتنوعة رافضا الذل والعبودية في كل مرة يشعرفيها بالإهانة من قبل صاحب العمل حتى اضطر إلى ترك بلده والانتقال إلى العراق لتحسين مستوى معيشته والبحث عن فرص عمل أفضل فعمل أجي ار في فندق في بغداد إلى أن قادته الحياة
إلى إذاعة بغداد تلك الإذاعة التي كانت موئلا للفنانين الكرد آنذاك. في البداية كان يعمل في فندق شهرزاد في بغداد، والذي كان معظم رواده من الأكراد، وكان الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني من مرتادي الفندق حيث استمع إلى صوته وأعجب بأدائه وتوسم فيه النبوغ والموهبة فبذل جهوده لإيصاله إلى الإذاعة ليسجل أغانيه وليشتهربواسطتها، وسطع نجمه أكثر بعد مشاركته مع مجموعة من الفنانين الأكراد عندما شارك في الحفلة التي أحيتها فرقة (مولوي) الموسيقية في قاعة إعدادية السليمانية للبنين فأبدع أثناء الحفلة ولا سيما أنه كان وسط جمهوره الكردي، فأبدع إبداعا منقطع النظير وذاع صيته في الآفاق، وأثناء ذلك كانت زوجته ميديا الزندي تعمل مذيعة وتسهم في بعض التمثيليات الإذاعية. قضى حسن زيرك عشر سنوات في العراق وتعرف على الكثير من الفنانين الكرد الذين كانوا يتسابقون للغناء في إذاعة بغداد القسم الكردي فسج ّّل أول أغانيه هناك وغنّّى في برنامج أسبوعي في الإذاعة ذاتها التي عمل فيها مدة خمس سنوات عاد حسن 1959 وس ُُج ّّلت له أكثر من سبعين أغنية، في عام زيرك إلى طهران للعمل في القسم الكردي إذاعة طهران وفي تلك الفترة تعرف على زوجته «ميديا زندي» وأنجبت له طفلتين وسجل 1960 ثم استقر به الأمر في إذاعة كرمنشاه عام رجع إلى بغداد ليسجل 1967 العديد من الأغاني، وفي عام بعض الأغاني الجديدة وفيها تم اعتقاله ستة أشهر وتسليمه إلى السلطات الإيرانية لتتوالى المحن والمصاعب فانفصل عن زوجته ورجع إلى كوردستان إيران وفتح مقهى له في مدينة «بانه» كمصدر رزق وعيش. اضطر حسن زيرك بعد فترة إلى إغلاق المقهى وذهب إلى مدينة مهاباد فتعرض لضغوطات وملاحقات من السلطات الإيرانية ما اضطره إلى مغادرة مهاباد إلى مدينة «شنو» التي قضى فيها باقي حياته. أصدر الفنان الكردي حسن زيرك عشرات الألبومات الغنائية ومئات التسجيلات باللغة الكردية «اللهجة الصورانية» وباللغة الفارسية والقليل من التركية ليرتقي إلى مرتبة أستاذ الفنانين كما تمي ّّز بعشقه للتراث والغناء الفلكلوري محافظا بذلك على
يميزه عن أقرانه الرواد أنهم كانوا يؤدون المقامات والأغاني الكلاسيكية وكلمات أغانيهم من دواوين الشعراء الكلاسيك يين من أمثال مولوي ونالي وغيرهم، بينما امتاز حسن زيرك بطريقته الخاصة وصوته المتميز وكان أحيانا يؤلف أغنية في الحال عندما يثير انتباهه شيء أو يصادفه موقف ما. وحول مكانة زيرك في السلم الغنائي الكردي، قال عنه الدكتور توفيق آلتونجي «لا يمكن التطرق إلى الغناء الكردي الشعبي دون التوقف عند أحد عمالقته، وأكثر المطربين في العالم غزارة في إنتاج الأغاني، هو المطرب الشعبي الك يبر زيرك فهو مدرسة غنائية شع يبة متكاملة، أينما حل ورحل، من إيران الى كركوك». وعن دور الأغنية الكردية القديمة كوسيلة للتواصل بين قبائل الشعب الكردي وعشائره وتمجيدها لبطولته، كتب الأستاذ أحمد زاويتي في مقدمة مقابلته مع المغني الشعبي الكردي خليل باكوزي: «كانت الأغنية الكردية القديمة من أهم وسائل التواصل بين قبائل الشعب الكردي وعشائره. وبهذه الطريقة انتشرت القصص والأساطير بين مختلف مناطق كوردستان واختلطت فيها الحقيقة بالخيال المصطنع من قبل المغني». استوحى المطرب التركي إبراهيم تاتليس أغنيته «يلا شوفير أو هيّّا أيها السائق» من أغنية حسن زيرك التي تحمل العنوان أغنية مسجلة في إذاعة بغداد الكردية 70 ذاته. لزيرك أكثرمن وعشرات الأغاني في إذاعة كرمنشاه الكردية، كما يعتبر زيرك من أوائل الموسيق يين الذين غنوا بلغة غير عربية في راديو ، الذي مهد 1953 بغداد، حيث غنى باللهجة السورانية في عام الطريق لموسيق يين أكراد عراق يين في الموسيقى العراقية شاعروكاتب سوري
الآلاف من الأغاني الكردية من التشتت والضياع. توفي حسن زيرك في عمر مبكر في الحادية والخمسين من نتيجة 1972 عمره في السادس والعشرين من حزيران عام إصابته بمرض سرطان الرئة، ودفن في مقبرة (ناله شكينة) التي غنى لها أغنية كردية شجية. ملك التراث الكردي كانت العادة السائدة إذا حل مطرب ضيفا على قرية ما يجتمع حوله شباب القرية وهواة الغناء احتفاء بمقدمه ولعرض مهاراتهم الغنائية. ومن أجل أن يألف الضيف تلك الأجواء وتسري روح المنافسة بين المغنين، وليزول عن الضيف الخجل والتردد، كانت تجري المساجلات الغنائية، وعندما 1957 ذهب الراحل إلى منطقة بن كورة في ناحية قورتو سنة وحل ضيفا في قرية كاني ماسي وكان يصحبه محمد جيران زارا قرى عدة أخرى، وبعد رحيله عن القرية ظل الناس يتحدثون عنه وعن صوته لمدة طويلة، لذا ليس غريبًا أن يتمتع بهذه الشع يبة الواسعة نظ ار لكثرة معج يبه وعشاق صوته الكثيرين حتى قبل انتشار أجهزة الراديو وظهور التلفزيون في القرى، وبهذه الوسيلة أي بواسطة الاتصال المباشر بينه وبين الفلاحين توطدت علاقته معهم واكتسب سمعة عريضة في كوردستان. ارتبط عيد الربيع النوروز بأغنية «نوروز» ارتباطا وثيقا حتى باتت الأغنية رم از من رموز النوروز والربيع والحياة الجديدة، كما يمكننا تخيل وجه الحسناء الكردية «كاجه كافروش» عبر غنائه عنها واصفا جمالها وشدة بأسها. بالمقابل، برز حسن زيرك بعد جيل الرواد أمثال: سيد علي أصغركردستاني، وكاويس آغا، وعلي مردان. ولكن الشيء الذي
113
112
2024 يونيو 296 / العدد
حسن زيرك أستاذ الغناء الكردي والناقل المخلص للتراث الفني
Made with FlippingBook Online newsletter maker