torath 296 - June - 2024

دراسات

في مطالع القصائد ونهاياتها الصنعة الشعرية

مقدرة الشاعر في الاختزال والإيحاء والتحليق، والعذوبة في اللفظ والإيقاع الشعري، وتوافق نهاية الصدرمع حرف الروي، الذي سمّّاه النقاد (التصريع)، كما في مطلع قصيدة شهيرة لأبي العلاء المعرّّي التي يفخر بها بنفسه ويتكلم عن طموحه وعلو همّّته وإيثاره: ََـنــــــــــقاء تكــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــبـر أن تُُــــــــصــــــــــــــــادا أرى الع ِِـنـــــــــــــــــــــــــــــــادا ِِـــــــــــــــــــــــــــــــد مََن تُُطــــــــــــــــــــيق لــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه ع فََجاه ومن المطالع التي رسخت في الذائقة وصارت كلمة مرورللعصر الأندلسي وتجربة الشاعر ابن زيدون في الحب والسياسة والحياة، ذلك المطلع الذي لخّّص تبّدّل الحال، وانعكاس الوقائع في حالة الحب، حيث استهل ابن زيدون قصيدته باللعب على أوتار الطباق، والبوح بالأنين الذي يصدره حرف النون الذي كر ّّره ثماني مرات؛ في كل شطر أربع مرات بطريقة هندسية متوازنة، قائلاًً: أضــــــــــــــــــــحـى التّّـنائي بََديــــــــــــــــــــلا عن تََدانيـنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا وناب عن طيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــب ل ُُقـيـانــــــــــــــــــــــــــــــا تجـافينــــــــــــــــــــــــــا أمّّا دليل ذلك من الش ّّعر الحديث والمعاصر مطلع قصيدة (ترصيع بالذهب على سي ٍف دمشقي) للراحل الك يبر نزار قباني

عبد الر ّّزاق الد ّّرباس لكل شاعرأسلوبه وطريقته في بناء قصيدته، وهذا الأسلوب ناتج عن خبرة تراكمية ومدى تأثّّر الشاعر بما قرأ وكتب واستعذب من نتاج أدبي خلال مسيرته ما كان له الانعكاس المباشر على نتاجه الأدبي. وفي لفتة تاريخية نجد أن القصيدة العربية كانت تتميز ببريق البدء الذي يستهوي القارئ والسامع وتظهر فيه براعة الشاعر في النظم وتطويع المفردات والمقدرة على سبك المطالع بما يدهش، وهذا ما دعاه النقّّاد (براعة الاستهلال) كما قال قدامة بن جعفر والآمدي في بواكير التنظير النقدي للشعر العربي، ثم تمضي القصيدة وفق ما هو مرسوم لها حتى تأتي الدفقة الأخيرة على شكل بيت صادم أو حكمة عميقة أو عظة وعبرة أو مبالغة تفوق الناموس المتعارف عليه، ليلفت الشاعر الأ ظنار لتميزه وتفر ّّد أسلوبه. للتميز في ذلك ليس بالأمر السهل، وفي التجربة الشعرية كثير ما يلج الشعراء لعالم القصيدة بسهولة، ولكنهم يبّدّلون المطلع مرا ار وتكرا ار ليختاروا ال يبت الذي يرونه لائقا بالبداية، ذلك أن الاستهلال يعطي للنص مفتاح القبول والإدهاش الذي ينشده الشاعر، فيترك المطروق الكلاسيكي إلى الجديد المبتكر أو المنساب الجميل على طريقة (السهل الممتنع) كما يقول النقّّاد. وتختلف قوة المطالع حسب غرض القصيدة وغالبًا ما عرفت القصائد بمطالعها فأخذت القصيدة شهرتها من ال يبت الأول، وإذا كان الأمر حرفة وصناعة فإن الوصول ًًا إن كانت مديحا أو رثاء أو غزلا أو تأملا أو تحليقا شعريا وتطوافا على الأغراض كلها بروح عصرية متمردة، ومن المطالع القديمة التي جرت على ِِكل لسان قول أبي تمام؛ ح يبب بن أوس الطائي: ِِالسيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــف أصــــــــــــــــــدق أنباء من الكتــــــــــــــــب ِ واللعــــــــــــــــــب �ِّ في حد ّّه الحـــــــــــــــــــــــــــد بين الجـــــــــــــــــــــــــــد فقد ذهبت مثلا في الناس، وصارت مفتاحا خالدا للدلالة على القصيدة والحادثة التاريخية معاًً. وفي دهشة المطلع تتبدى

ّّــوا على قبــــــــــــــــــــــــــــــــــــري مِِن الماء واندبـــــــــــــــــــــــــوا ِِف ََـرش

الذي كان يخاطب دمشق وكأنه يخاطب فاتنة ساحرة الجمال وعلى طريقة تشخيص المنادى: فرشــــــــــت فــــــــــــــــــــوق ثراك الطاهـــــــــــــــــــــر الهُُـدُُبـــــــــــــــــــــــا ََـت ََـبــــــــــــــــــــــــــا؟ فيا دمشـــــــــــــــــــــق بمـــــــــــــــــــــــــــــــاذا أبــــــــــــــــــــدأ الع وبالانتقال إلى ختام القصائد أو (الغلقة) كما يسمّّيها أهل الحرفة، فهي لا تقل أهميّّة عن المطلع، وبها يصب الشاعر عصارة فكره وخلاصة تجربته والمغزى من القصيدة في بيٍت ختامي مزلزِِل، لا يترك بعده شيئا كي يُُقال، ويدرك القارئ والسامع أن هذا ال يبت هو النهاية الأكيدة للقصيدة حتى وإن كان يسمعها للمرة الأولى، وبذلك يصل الشاعر بالقارئ إلى مرحلة التماهي والانصهار الوجداني، وكأن الاثنين يتحدثان بلسان واحد، وهذا ما نجده في قصائد الفحول الكبار مثل بشار بن برد الذي ختم قصيدة الحب والإعجاب بإحداهن قائلا ًً: لو كنت أعلــــــــــــــــــــــــــــــم أن الــــــــــــــــــــــــــــــحب يقتلنــــــــــــــــــــــــــــــي أعد ََد ْْت لي قــــــــــــــــــــبل أن ألقــــــــــــــــــــــــــــــاك أكفانـــــــــــــــــــــــــــا أما الشاعر العباس بن الأحنف الذي هام في حب فتاته الحجازية، فإنه في طي القصيدة يوصي الرّّكبان الذاهيبن للحجازأن يأتوه بشربة ماء من ديارها، لأنه يرى في تلك الجرعة شفاءه من الأسقام، لكنه في نهاية القصيدة يضع احتمال هلاكه من الحب قبل عودتهم، لذا يوصيهم برش ذلك الماء على قبره، لأنه قتيل حبّّها لا قتيل الحروب والمعارك، فيختم مطوّّلته في بيٍت يلخ ّّص معاناته قائلاًً:

ُُــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــروب قـتيـل ك ّّـعـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاب لا قـتـيــــــــــــــــــــــــــــــــــــل ح ومن خواتيم الكبار المعاصرين نجد بيتا للشاعر عمر أبو ريشة في قصيدته المشهورة التي يلوم فيها أمته على الفرقة والانقسام والضعف والاستبداد حيث يختمها بقوله المأثور ِِوبيته المشهور: ه ِِــــــــــــــــــــــــ ي عدوان ــــــــــــــــــــــــ ب ف ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لام الذئ ُُــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ِِلا ي م ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ دو الغن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ي ع ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ك الرّّاع ــــــــــــــــــــــــ إن ي ومن الوجهة نفسها التي فيها الحكمة البالغة والخلاصة المختصرة، حيث قوة المعنى وعظمة العِِبرة في أقل الكلمات أذكرخاتمة قصيدة أميرالشعراء أحمد شوقي في مدينة زحلة، وهي الأغنية الملحّّنة المشهورة تحت اسم «جارة الوادي»، حيث يجعل الشاعر بيته الأخير زبدة القصيدة في الدهشة ٌٌوالإعجاب والبُُعد الفلسفي والتحليق الشاعري فيقول: ِِلا أمس مــــــــــــن عم ْْــــــــــــــــــــــــر الزمــــــــــــــــــــــــان ولا غـــــــــــــــــــــــــــــــــد جُُمِِع الـزّّمـــــــــــــــــــــــــان فََـكــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــان يََـوم رِِضــــــــــــــــــــــــاك وفي النهاية نقول: إذا كان المقال النثري يبدأ بمقدمة جاذبة وينتهي بخاتمة لافتة للانتباه والأنظار، وبينهما العرض والموضوع فيستقيم البناء النثري، فإن الشعر بجودة السب ِك أََولى، وببراعة الاستهلال وح ُُسن الختام أحق ّّ، لأنه الفن الأقدم والأجمل ولأنه إضافة إلى بدائع النثر ففيه الموسيقى، كما قال الناقد الفذ مارون عب ّّود: النثر مشي والشعر رقص شاعروأديب من سورية

115

114

2024 يونيو 296 / العدد

الصنعة الشعرية في مطالع القصائد ونهاياتها

Made with FlippingBook Online newsletter maker