torath 296 - June - 2024

ج ُُلََساء التراث

زفرة الغزالة الذبيحة (حيزية)، تلك المرثية التي سجلتها الذاكرة الشع يبة الجزائرية في منتصف القرن التاسع عشر أثناء الحقبة الاستعمارية، ، ) 3 ( أثارت نقاشا واسعا حين أعلن الكاتب «واسيني الأعرج» تحويلها إلى رواية بطرح جديد، يعدل بعضا مما جاء فيها، ويتعلق هنا بالبطل الرئيسي من جهة، وبإعادة تموضع البطلة «حيزية» في سيرورة السرد من جهة ثانية. هنا يمكن القول: إن واسيني عمل على ما يمكن تسميته بالتصحيح المؤسس والمقصود والواعي لقصة حيزية، دون أن يحولها إلى رواية تاريخية، أو يفقدها جمالها الأخاذ على مستوى أحداث القصة نفسها، إضافة إلى تحويل القصيدة - المرجع الوحيد لدينا للقصة - إلى سرد، متخذا منها منطلقا لتعميق الأحداث وشرحها. لقد اختار لها واسيني الأعرج عنوانا جديداًً، ممي از وكاشفاًً، جاء حاملا لدلالات، ورافعا لحمولة مجتمعية وقبلية وجغرافية وتراثية، ومحققا لرؤية أخرى مختلفة تميزت ببحث جاد، جمع فيه واسيني بين البحث الأكاديمي والإبداع الأدبي، دون أن يخرج الرواية من سياقها التاريخي، وكل هذا يمكن أن نستشفه من العنوان التفصيلي الجامع: «حيزيا» زفرة الغزالة الذََبيحة.. . ) 4 ( كما روتها لالََّة ميرا» هكذا إذن تمددت المرثية، وتحولت إلى قصة ذات طابع تفصيلي، مستجبية لشروط الرواية ومقتضياتها، وارتبطت بسياقات أخرى زمانية ومكانية، وتمكّّن واسيني من تنشيط خيال القارئ، الأمر الذي قد يساعد على إعادة النظر في أحداث القصة من ناحية التفاعل الإيجابي معها في رحلة عاماًً، وفي ذلك استحضار للتراث 150 الزمن لمدة قاربت الشعبي الجزائري، ودفعه إلى التدفق في الحاضر. ، جدلا واسعا ) 5 ( وكما هو مسجل، فقد أحدثت قصة «حيزية» منذ أن تضمنها النص الشعري المتداول لصاحبه «محمد بن قيطون»، وفيه روى «قصة حب بين حيزية وسعيّّد»، وصاحبها في زمانها تفاعلا مجتمعيًا على نطاق واسع، وظلت لعشرات السنين - ولا تزال - مؤثرة في الذوق الفني لدى الجزائريين، خاصة البدو وسكان الصحراء. المرثية تعد اليوم في رواية من أهم إبداعات واسيني الأعرج، لتحدث من جديد نقاشا واسعاًً، وذلك منذ أن أعلن عنها واسيني كفكرة جنينية، لا يزال وقتها في عالم الغيب، وكما تابعنا في وسائل الإعلام، خاصة منصات التواصل الاجتماعي،

وكما ذكر المؤلف، فقد «بلغت المطالبات حد الدعوة إلى منع الرواية من الصدور والتداول، ومحاكمة صاحبها بحج ّّة المس بالتراث الشعبي الوطني وتحريفه». ًً بنت الخمسين عاما مهما كانت مكانة مرثية «حيزية» في أفئدة الجزائريين، سواء كانت تفاعلا عاب ار في لحظات سماع الأغنية، أو ظهرت عملا بحثيًا في مجال التراث الشعبي، فإن الهجمة على واسيني قبل صدور الرواية، وإن حملت نية صادقة وسلامة قلب لدى بعضهم، إلا أنها لم تكن مبررة، لأسباب كثيرة، أهمها: إن نشأة ، منذ أن ومضت في ) 6 (ًً هذه الرواية استغرقت خمسين عاما ذهن مؤلفها إلى أن أصبحت نصا مكتوباًً، متداولا بين أيدينا، نقرؤه اليوم. من ناحية أخرى، فإن عمرتكو ّّن الرواية ونزولها من عالم الغيب 23 نصا حي ًا أكثر من عمر بطلتها حيزية التي توفيت عن عمر عاما ًً، وتكاد تقترب من عمر الشاعر محمد بن قيطون المتوفى عاما إذا صدقت المعلومات التاريخية، كما 60 عن عمر ناهز أنها تمثل زمني ًا أكثر من ثلث تاريخ القصة منذ ظهورها. إذن نحن أمام جهد إبداعي، جعلنا من الصفحات الأولى أمام قصة تعو ََّد ْْنا سماعها بصيغة فإذا هي اليوم تقدم بصيغة أخرى مختلفة، تحمل في العمق نوعا من المساءلة للتاريخ المجتمعي والقبلي، الذي سمح بالتع يبر عن الحب شع ارًً، ورفضه فعلا وحقيقة، وعن ذلك يقول واسيني على لسان حيزية: «لا أشعر

قراءة في رواية «واسيني الأعرج» ز ّيّا».. قص ّّة حب تراثية لسيدة الأقدار الخطيرة «حي ْز

خالد عمر بن ققه قراءة التراث الشعبي بُُغْْية معرفة مكنوناته على المستوى الأكاديمي، باستعمال مناهج البحث العلمي، قد يؤدي إلى نتائج مهمة - ربما تكون مقنعة لكثيرين - لكن خروج البحث فيه من فضائه الخاص إلى فضاءات أخرى ينتهي في الغالب إلى نوع من «الزّّلزلة» في الثوابت، خاصة حين يتعلق الحديث بصور اتخذت طابعا نمطيا لأبطال أو نجوم، اعتبرت قصص حياتهم وسيرهم تاريخا يحمل يقينا غير قابل للشك أو الظن، أو التأويل. ولأن قصص التراث الشعبي، تأتي سردي ّّتها من النقل الشفهي، غير المكتوب في الغالب، أو يكون القليل منه مسج ّّلا فقط، فإنها تمثل شراكة مجتمعية وشعبية، وأحيانًا تكون قومية أيضاًً، لذلك حين يقترب منها الباحث يجد نفسه في مواجهة أطراف عدة، تتولى الدفاع عن ذلك التراث باعتباره تاريخها المشترك. الدفاع هنا لا يأتي من منطلق الحمي ّّة أو العصبية فقط، ولكنه وليد تأثر وجداني، يظهر مشاعر جياشة نحو قصص بعينها، خاصة تلك التي حفظتها الذاكرة ضمن التراث الغنائي على النحو الذي يزخر به التراث الجمعي لكثير من دولنا العربية. من ناحية أخرى، قد ينتهي الدفاع عن قصص التراث الشعبي - وهو في حقيقة الأمر رد فعل - إلى ، خاصة إذا كان الفريق الرافض لمناقشة روايات التراث الشعبي أكثرعددا ًً، وأشد مواجهة للرؤى ) 1 ( تشكيل «رأي عام» الجديدة، حتى لو جاءت مدعومة بدلائل تؤكد صحتها. والمثال الظاهر أمامنا هنا هو النقاش الذي دار في الجزائر أهم وأشهر مرثية ذات طابع عاطفي حفرت أخدودا في العمر الجزائري زمانًا ومكانًاً، وبقيت راسخة ) 2 ( حول «حيزية» في الذاكرة الجماعية للشعب الجزائري، وشك ََّلت حضوار على مستوى الأغنية البدوية، وتم تناقلها في رحلة الأجيال، وانتهى بها الأمر إلى تحولها من نص شعري إلى رواية.

117 2024 يونيو 296 / العدد

116 «حيْْزيّّا».. قص ّّة حب تراثية لسيدة الأقدار الخطيرة

Made with FlippingBook Online newsletter maker