ج ُُلََساء التراث
بأي راحة وأنا في هذا القصيد الطويل، الذي كتبه معلمي الأوّّل السيد محمد (بن قيطون)، يرثيني فيه من أعماق قلبه العاشق، كان يحبني، تلك قصة أخرى أكثر تعقيداًً، لأنه كتم .) 8 حب ّّه حتى الموت، فهناك من العشاق من ينتحرصمتا ًً..»(ص تلك كانت بداية إعلام القارئ بالحيبب الحقيقي لحيزية على لسانها، وهو صوت قادم من تحت التراب، في انتفاضة من البطلة، بهدف جعل «كتاب الصمت»، الذي ذكره المؤلف، ينطق بما ظل خافيًا ومستت ارًً، بقصد أو من دونه، بحيث يتم فك العزلة عنها، كما هو في صوتها المنبعث من بين الأجداث قائلاًً: «أحتاج اليوم، داخل عزلة القبر، إلى من يأخذني بين ذراعيه ولو لثانية واحدة، ويهمس في قلبي كلمة انتظرتها زمنا .) 9 طويلا أحبك، فقط، لن أطلب منه أكثر من ذلك»( شكر القبور وأوبرا العالم حيزية عند واسيني، أو بالأحرى في روايته، من خلال عاطفة الحب، هي بنت لزمنين، زمن مضى وولّّى، وهو الذي يصنع حاضرنا، ويطرح فيه جملة من الإشكالات البحثية المتعلقة بالتراث الشعبي، وفي هذا الزمن يأتي الاعتراف. كما هو في الرواية. بحبها لاثنين من ثلاثة، أولهما: سعيّّد ابن عمها، الذي منحها كل ما كان في وسعه، بعد أن سرقه منها أخواله، ثم نسيها بسرعة بعد أن فضل عليها غيرها. وثانيهما: محمد بن قيطون - تدعوه بسيدي - الذي ظل صامتا كحجر الوديان، لكنه علمها اللغة والدين والشعر، ونسي أن الحب صوت أيضاًً، يجب أن نسمعه حتى في صوته، قبل أن يسلمها لقبر الصمت والحر والرمل، وقد كانت تعني له الكثير حتى أنه غافل الجميع، وقرأ على مسمعها، في قبرها، قصيدته س ار على ضوء القمر: «عزوني يا ملاح في رايس لََبْْناََت». زمن الحب المعبرعن وجود اثنين في حياتها، صاحبته إنجازات ثقافية جزائرية وعربية وعالمية في مجال فن الأوبرا، فقد جاء ذكرها في حديث خالد الراوي، وهو يعود إلى تقصي حقيقية حيزية وآثارها، وهو ما يظهر في قوله الآتي: «عدْْت فقط لأقول للقبور شك ارًً، لقد منحت حياة جديدة لحيزيا.. لقد سعدت بها أوبرا الجزائر، وكل مسارح العالم؛ أوبرا غارت ييه في باريس، لاسكالا في ميلانو، وأوبرا الدولة في ف يينا، مسرح سان كارلو في نابولي، أوبرا الدولة في بودابست، أوبرا فينيس في البندقية، أوبرا سيدني، مسرح كولون في بوينس أيريس، مسرح ميتروبوليتان في نيويورك، مسرح البولشوي
غن ّّاها أعمرالبارأيضا ًً، وعبابسة وابنتيه فل ّّة ونعيمة، ودرياسة، ) 41 وغيرهم».(ص بقي أن نذكر هنا أن حيزية هي بنت الزمن المستقبلي أيضا من خلال نص الروائي واسيني الأعرج، الذي يظهر فيها عاشقا معاص ار لها، تقفى أثرها، وسبق لها أن رأته في حلمها في الزمن الماضي.. إنه الراوي، وقد يحق لنا أن نعتبره الكاتب نفسه، وهذا يأخذنا إلى ما كتبه واسيني على صفحته في الفيسبوك، م، تحت عنوان: «حيزية.. 2023 يناير 20 أثناء تأليف الرواية في سيدة الأقدار الخطيرة». في تعليق ذلك قال واسيني: «في مكتبتي الصغيرة الدافئة، مع سيجارة، أسترجع آخر المحاورات التي دارت بيني وبين من التقيت بهم من المهتمين بحيزية.. قالت الصديقة الباحثة الأنثروبولوجية «فوزية برانيس» من مونتريال، وأنا أسألها عن حيزية التي خصصت لها أكثر من بحث، في محاورة دامت أكثر من ثلاث ساعات: واسيني ركضك المجنون في أثر حيزية خطير.. حيزية ليست معشوقة فقط، ولكنها سيدة الاقدار الخطيرة بامتياز»، وعلق واسيني عن ذلك قائلاًً: «لم تزدني . ) 8 ( هذه النصيحة إلا توغ ّّلا في سر الحكاية» ِ حكاية حيزية، وانتهي �ِّ لقد ركض واسيني كثي ارًً، وتعمق في سر إلى أنها ماتت مسمومة، وأن ح ببيها هو الشاعر نفسه الذي أرثاها وليس سعيّّد، وعاد لنا منتص ارًً.. وعبر رحلته تلك كفانا شر العناء، والبحث، وزعزع لدينا أبنية الثوابت، وهدم وثنيات الأحكام والأفكارعلى حد بعيد، لكنه أمتعنا بما كتب لأنه اجتهد لدحض مواقف قناعات لم تحلل قصيدة ابن قيطون بعمق، ولم تقرأها ببصيرة، ولم تجهد نفسا في مجال البحث التاريخي ولا في السير الجغرافي لمدة خمسين عاما ُُ، وسواء اتفقنا معه أو اختلفنا فإننا نذهب برفقته إلى مستقبل يتجدد فيه التراث، وتنتعش الذاكرة الجماعية للجزائريين، ويزداد التراث الشعبي العربي حضوار وإنسانية وانتشا ار وعالمية كاتب وصحفي ـ الجزائر المراجع - يقصد به هنا موقف أغليبة المجتمع حول مسائل وقضايا وقصص تراثية 1 بعينها، من ذلك على سيبل المثال، القصص الشعيبة المتداولة حول السيرة الهلالية، وفي الحالة التي سنتحدث عليها لاحقاًً، لا يتم تق ييمها، كما هو شأن قضايا الرأي العام، خلال سبر للآراء، بحيث يشكل ذلك وسيلة للحكومة لت يبان ما يمكنها أن تقوم به من إجراءات، لأن هذا النوع من البحث والخطاب والتفاعل لا يهم الحكومات إلا في حالات قليلة نادرة. - تعد قصة حيزية، أهم وأشهر قصة عاطفية في التراث الشعبي الجزائري، 2
الروسي، أوبرا دبي، المركز الوطني لفنون العرض بكين، أوبرا ) 31 مسقط الملكيّّة ع ُُمان..».(ص وفي هذا الزمن الماضي، كما هو في الحاضر، وإن كان بدرجة نس يبة، تبيّّن للمهتمين بقصة حيزية، أن كل من يقترب منها مات ميتة غير عادية، أو قتل، أو أصيب بنوبة جنون، وكان الحديث عنها، أو نقل رواية قصتها أو نقلها للغة أخرى، لعنة تصيب من يفعل ذلك، الأمر الذي يشير إلى الجانب الآخر من سرد قصة حيزية، أو بالأحرى تبعات الحديث عن تلك القصة عبر رحلات الزمن داخل الجزائر وخارجها. الحبيب الثالث.. عاشق معاصر وفي هذا السياق يروي لنا خالد نماذج بعينها أصيب بما يمكن أن نطلق عليه: لعنة حيزية، منها:» كونستانتان لويس ، العسكري الفرنسي Constantin Louis Sonnek» (7) سون ييك الذي ترجمها إلى الفرنسية، ونشرها في الجريدة الآسيوية، مات عاماًً، وكاتب القصيدة سي 55 بتسمم غازي عن عمرلم يتخط محمد بن قيطون نفي من مدينة سيدي خالد وهرب بعيداًً، ويقال إنه توفي في ظروف غامضة، والباحث الذي أعاد ترجمة قصيدة حيزية إلى الفرنسية انتهى مع زوجته «خضرة» في عزلة المنفى وقسوته، إضافة إلى ذلك حادثة مقتل «علي بو حلاقي» الذي كان يحكي عنها في ساحات «الزيبان» وأسواقها. لا ينسى خالد وهويتحدث عن قصة حيزية في تجارب البشربما حملته من خير وشرـ حقيقة أو و ََه ْْما ًً، أن يذكر المغنين الذي تغنوا بقصيدة ابن قيطون معلنا معرفته لهم: «أعرف خليفي أحمد، غنّّاها في الثلاثينيات مع خاله في تونس، الوحيد الذي غنّّاها لاحقا من دون حذف الأبيات الأيروتيكية، لهذا أح ببته،
م) وقد نشرت 1907 - 1847 جاءت مروية في مرثية شعرية لمحمد بن قيطون ( م، وإذا استندنا إلى تاريخ النشر 1899 لأول مرة من الباحث الفرنسي سون ييك عام هذا، فسنجد أن عمر هذه المرثية منذ أن أبحت مسجلة نصا مكتوبا ًً، إلى غاية عاماًً، أما في حال إذا عدنا إلى تاريخ كتابتها انطلاقا من تاريخ وفاة 125 يومنا 146 م، فإن عمر هذه المرثية 1878 بطلتها حيزية، الذي يعود إلى خريف عام عاما تقريبًاً. - د. واسيني الأعرج.. أستاذ جامعي وروائي جزائري. يشغل اليوم منصب أستاذ 3 كرسي في جامعة الجزائر المركزية وجامعة السوربون في باريس. يعتبر أحد أهم الأصوات الروائية في الوطن العربي، يكتب باللغتين العربية والفرنسية.. ترجمت له روايات إلى عدد من اللغات، وله العشرات من المؤلفات بين رواية وقصة قصيرة ودراسة وترجمة، كما تناول الباحثون والأكاديميون بالدراسة العشرات من أعماله. زفرة الغزالة الذبيحة (كما روتها لالة ميرا)، دار الآداب للنشر | - واسيني، حيزيا 4 م 2023 م، وقد سبق للرواية أن صدرت عن دارالخيال، الجزائر 2024 والتوزيع، بيروت - حيزية.. قصة حب جزائرية بدوية صحراوية، حدثت في النصف الثاني من 5 القرن التاسع عشر في بلدة (سيدي خالد)، التابعة لولاية ب أولاد جلال ــ جنوب شرق الجزائر. ويرى بعضهم أنها تشبه قصص العذريين في التراث العربي القديم - المقصود بالتاريخ هنا، تلك الزيارة التي قام بها واسيني الأعرج إلى مقربة 6 م. 1973 سيدي خالد عام .. أول من جعل Constantin Louis Sonnek - «كونستانتان لويس سونييك 7 قصيدة ابن قيطون، حيزية، مرثية، وأعطاها بعدا وطنيًا ومغاربيًا وإنسانيًا بعد أن Le journal نشرها في أصلها ومترجمة إلى اللغة الفرنسية في الجريدة الآسيوية .) 32 م( المرجع: واسيني، حيزيا، ص 1899 عدد مايو- يونيو Asiatique - واسيني الأعرج، حيزية... سيدة الأقدارالخطيرة، على صفحته في الفيسبوك، 8 م.. على الرابط: 2023 يناير 20 https://www.facebook.com/story.php/?story_fbid=760696678755217&id=
119
118
2024 يونيو 296 / العدد
«حيْْزيّّا».. قص ّّة حب تراثية لسيدة الأقدار الخطيرة
Made with FlippingBook Online newsletter maker