torath 296 - June - 2024

الابتكار في التراث: تجاوز للزمن برؤية مستقبلية

مر زك جامع الشيخ زايد الكبير - أبوظبي

المباني مجهزة بألواح الطاقة الشمسية على الأسطح - مدينة مصدر

إبداعي وتعاون مشترك لتحقيق تطلعات المجتمعات نحو تراث غني ومستدام، فمن المهم تشجيع المجتمعات على المشاركة الفع ّّالة في عملية الابتكار في التراث. ويمكن ذلك من خلال إنشاء منصات للابتكار المجتمعي التي تجمع بين الخبراء التراثيين والحرفيين والمصممين والمهندسين والمبتكرين لتبادل الأفكار وتطوير مشاريع مشتركة تسهم في تعزيز التراث الثقافي، وبذا نقف عند ما يلعبه الابتكار من دور في تعزيز التعاون والإثراء المتبادل بين مختلف الجهات الفاعلة والقطاعات والتخصصات، وما يخلقه من فرص للحواروالتبادل والتعلم. وثمة الكثيرمن المشروعات الممكنة في مجال الابتكار الثقافي، وبخاصة المشروعات المجتمعية، مثل مختبرات الأفكار التي هي مساحات تستخدم تقنيات الابتكار المفتوح والتي تساعد في تطويرحلول متوائمة مع القيم الأساسية لكل مجتمع، وكذلك المبادرات الثقافية المجتمعية، إذ يمكن أن تكون هذه المبادرات ورش عمل، ومعارض، وندوات، وحفلات موسيقية، ومسرحيات، وغيرها من الفعاليات الثقافية التي تجمع المجتمعات المحلية وتعز ّّزالترابط الاجتماعي، إلى جانب المشروعات الثقافية الاجتماعية التي يمكن أن تكون برامج تعليمية وتدري يبة وتطوعية، وحملات توعية وتثقيف، ومبادرات للتنمية المستدامة، وغيرها من المشروعات التي تهدف إلى تحسين الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات المحلية. ويمكن أن يخدم هذه المشروعات ويتواءم مع غاياتها تطوير متاحف رقمية للسماح بالوصول إلى الثقافة والتراث عبر الإنترنت والهواتف المحمولة.

فإن الابتكار بذلك يمثل تحولا إيجابيًا يمزج بين الموروث الثقافي والتقنيات الحديثة والإبداعات المشتركة لخلق قيمة جديدة، والمساهمة في تعزيز التفاعل الثقافي والاجتماعي. والابتكار أمام هذه الآلية لا شك يحقق جملة أهداف؛ فهو يسهم في حفظ الهوية الثقافية للمجتمعات وتم ييزها في عالم متعدد الثقافات، وكذلك يعمل على تنشيط الاقتصاد المحلي، إذ يعزز الحرف اليدوية والصناعات التقليدية، مما يدعم الاقتصاد المحلي ويخلق فرص عمل جديدة، ويسهم في تعزيز السياحة الثقافية، فيجذب السياح والزوار الذين يبحثون عن تجارب فريدة وأصالة ثقافية، كما يعمل على تحقيق التوازن بين الماضي والحاضر، إذ يشكل جس ار بين الماضي والحاضر، حين يتضح أثره في تفعيل التراث الثقافي في سياقات العصر الحديث. وتتعدد أنماط الابتكارفي التراث ابتداء من استخدام التكنولوجيا الحديثة، مثل الواقع الافتراضي والواقع المعزّّز والطباعة ثلاثية الأبعاد لحفظ التراث الثقافي وتوثيقه وتسليط الضوء عليه، مروار بتطوير المنتجات والخدمات التقليدية لتناسب الاحتياجات الحديثة، ووصولا إلى التعليم والتثقيف، عبر تطوير برامج تعليمية وأنشطة توعية تسلط الضوء على أهمية الحفاظ على التراث. فمن الطرق الرئيسية لتحقيق الابتكار في التراث، دمج التقنيات الحديثة مع المفردات التراثية الأصيلة، فيمكن استخدام تقنيات الواقع الافتراضي لإحياء المواقع التاريخية والمتاحف، مما يتيح للزوار فرصة فريدة لاستكشاف التاريخ بطريقة تفاعلية وشيّّقة، كما يمكن استخدام تقنيات الطباعة

متحف اللوفر

EXPO في معرض Terra Sustainability جناح

ثلاثية الأبعاد لإنتاج نسخ دقيقة من القطع الأثرية، مما يسهّّل عمليات الحفاظ على القطع الأصلية ودراستها بدقة عالية دون التسبب في تلفها، أو التأثير عليها. ومن أوجه الإبداع والابتكار تحويل كثير من مفردات الأدب الشعبي إلى منتجات ثقافية مبدعة مثل الكتب والروايات الإلكترونية، والأشعار المنتجة بتقنيات ومحسّّنات موسيقية وصورية، والأعمال التشكيلية والموسيقية التي تستلهم من المعاني والحكم الموروثة وتواكب الحاضر بحاجة إنسانه اليوم. وفي مجال الحرف التقليدية، يُُعتبر تطوير منتجات تقليدية باستخدام مواد حديثة وتصميمات مبتكرة جزءا مهما من الابتكار في التراث، إذ يمكن تصميم الملابس الشعيبة التقليدية بطرق جديدة تتناسب مع متطلبات الذوق الحاضروخطوط الموضة الحديثة، مما يعززقيمتها ويحافظ على روح أصالتها وجاذبيتها التقليدية، وفي الوقت نفسه يجذب الشباب والأجيال الجديدة. وثمة العديد من الثقافات تتمتع بأشكال فريدة ومتنوعة من الفنون والحرف والتصميمات المستمدة من موروثها التي تعكس تاريخها وجغرافيتها وجمالياتها. ويمكن الاستفادة من مهارات الحرفيين في هذه الحرف اليدوية لإنشاء منتجات أصلية ومميزة وعالية الجودة. وثمة منصة اليوم تعرض منتجات مطوََّرة يصنعها حرفيون يدويا من صميم ثقافاتهم وتراثهم في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا وأوروبا.

وفي قطاعات السياحة والضيافة والترفيه والأغذية والمشروبات في المجتمعات التي تحرص على تقاليدها وقيمها، فإنها في اعتمادها بشكل كيبر على الجوانب الثقافية في تقديم خدماتها تتب ّنّى مبادرات تعزز من هذه العناصر الثقافية بخصائصها، وتسهم في بناء اقتصاد يستند إلى أصالة التراث وينبض بالحياة. كما أن لدى العديد من الثقافات معارف وممارسات قيّّمة تراكمت عبر الأجيال يمكنها تقديم حلول مبتكرة ومستدامة ذات صلة وفعالة للتحديات المعاصرة. ويمكن تكييف هذه المعرفة والممارسات لإنشاء حلول مبتكرة تخدم الواقع والتطور وتجعله مستداماًً. وفي ذلك ثمة مؤسسات رأت أن فواكه مثل الموز والمانجو والأناناس لدى المزارعين الريفيين في البلدان النامية، يتم إهدارها بسبب الافتقارإلى البنية التحتية والوصول إلى الأسواق، فعملت على تمكين المزارعين من خلال تزويدهم بمجففات تعمل بالطاقة الشمسية يمكنها تحويل فواكههم الزائدة إلى وجبات خفيفة يمكن تخزينها على الرفوف، واستفادت المؤسسات من محاكاة الطرق التقليدية لتجفيف الفواكه المتبعة في تلك البلدان. أدوار مجتمعية ولأن الابتكار في التراث وسيلة فع ّّالة لربط الماضي بالحاضر وصناعة المستقبل، وهو عملية ديناميكية تحتاج إلى تفكير

13

12

2024 يونيو 296 / العدد

الابتكار والأصالة.. رؤية عصرية في الحفاظ على التراث

Made with FlippingBook Online newsletter maker