الابتكار في التراث: تجاوز للزمن برؤية مستقبلية
إحياء الثقافة الوطنية إن المشكل الثقافي الذي تعانيه شعوب العالم الثالث مرتبط بالاستعمار، فهذا الأخير دم ّّر ثقافة الشعوب التي استعمرها، وفي المقابل قدّّم ثقافته، وفرضها كثقافة عالمية، فكان رد فعل هذه الشعوب خلال كفاحها من أجل استرجاع سيادتها واستقلالها هو الاتجاه نحو إحياء «الثقافة الوطنية» تأكيدا للهوية وحفاظا على مقو ّّمات الشخصية. هذا الأمر هو ما جعل الثقافة العربية حاضرة في الوعي العربي بوصفها «تراثاًً» وليس «إرثاًً» باعتبار الإرث هو ما يرثه الابن عن أبيه، فهو عنوان اختفاء الأب وحلول الابن محله. أما «التراث فهو ما يبقى حاض ار في الخلف من السلف». الثقافة الغربية والتراث إن ثقافة الغرب ليست مجرّّد نقوش أو بقايا أطلال أو مجرد رموز وعادات ورقصات وأغان وأعراف، إنها ليست بقايا ثقافة الماضي، بل هي «تمام» هذه الثقافة: إنها العقيدة واللغة والأدب والعقل والذهنية والحنين والتطلعات، إنها في آن واحد: المعرفي والأيديولوجي وأساسهما العقلي وبطانتهما الوجدانية. تجديد الفكر الغربي إن الدعوات التي انطلقت في الفكر الأوروبي بدءا من (بيكون وديكارت إلى فلاسفة الحاضر والحداثة) دعت إلى التّّحرر من جميع الأوهام واعتماد التجربة منطلقا ومعياارًً، وضرورة «مسح الطاولة» والتحرر من السلطات المعرفية جميعها، والاعتماد على سلطة العقل وحده، ومنذ ذاك التاريخ إلى اليوم والفكر الأوروبي يعيد قراءة تاريخه على أساس من الانفصال والاتصال، من النظر وإعادة النظر، من النقد ونقد النقد. تجديد التراث لا الانفصال عنه إن الانفصال عن التراث كان من أجل تجديد الاتصال به، والاتصال به كان من أجل تجديد الانفصال عنه. هذا الأمر لا يعني القطيعة والانفصال التام عن التراث، بل هوجسرجديد من الاتصال بالتراث بقصد إعادة قراءته، ومن ثم البحث عن «الجديد» بين أحشائه، والعمل على إعادة ترتيب العلاقة بينه وبين الحاضربإعادة بناء مواده القديمة وإغنائه بمواد جديدة
الانفصال عن التراث من أجل تجديد الاتصال به «جسر جديد في رؤية إماراتية حداثية»
محمد فاتح زغل ثمة أسئلة مصيرية تواجه الإنسان العربي تقلق ضميره من أجل الوصول إلى موازاة المرحلة التاريخية الراهنة، مرحلة العولمة ومواجهة التقنيات الحديثة ووسائل الاتصال والذكاء الاصطناعي، والتعامل معها تعاملا نّدّيا يمكننّّا من الحفاظ على ذاتنا دون الانصهار في بوتقتها، ومحور هذه الأسئلة تكمن في: هل يغي ّّر التراث الموازين في مواجهة العولمة ومعركة إثبات الهوية؟ وأين مكاننا على خريطة الحضارات في العالم؟ وما الدورالذي ينبغي أن نضطلع به؟ وهل نحن مهدّّدون بفقدان تراثنا وخصوصيتنا الثقافية والفكرية والاجتماعية لمجرد أن ظهر شبح كوني اسمه العولمة؟
35 2024 يونيو 296 / العدد
34 الانفصال عن التراث من أجل تجديد الاتصال به «جسر جديد في رؤية إماراتية حداثية»
Made with FlippingBook Online newsletter maker