torath 296 - June - 2024

الابتكار في التراث: تجاوز للزمن برؤية مستقبلية

الغزو الثقافي لقد حافظ الفكر الأوروبي على تراثه وثقافته، بل جعل من ثقافته ثقافة عالمية من خلال ما يصطلح عليه بـ «الغزو الثقافي»؛ ما يعني جعل دول العالم الثالث تابعة للغرب. وللتحرر من التبعي ّّة للآخر لا يمكن أن يتم إلا من خلال العمل من أجل التحرر من التبعية المطلقة للماضي، ماضينا نحن. وبعبارة أخرى، إن التحررمن الانبهار، والاستلاب لثقافة الغرب لا يمكن أن يتم إلا عبر ومع التحرر من التراث. والتحرر من التراث لا يعني الهروب منه ولا الإلقاء به في سلة المهملات. التجانس الشامل تحاول قوى العولمة الغربية أن تهيمن على حركة المرورالكونية في مجال المعلومات والأفكار والإعلام والاقتصاد، فالموسيقى الغربية والأفلام الغربية والبرامج التلفزيونية الغربية وبرامج الحاسوب الغربية والذكاء الاصطناعي أخيارًً، بل والمأكولات الغربية والأزياء والأفكار والروايات التي تطرحها الكتب الغربية والفلسفات الحديثة، أصبحت شديدة الهيمنة ورائجة جداًً، حتى إن تراثنا الحضاري بدا وكأنه يهتز أمام هذه الموجة، وهكذا تمارس العولمة ما يشبه العدوان الممنهج على تراثات الشعوب وثقافاتها وقيمها وأساليب حياتها وخصوصيتها، فيكون على البلدان والمجتمعات جميعها أن ترتدي الثوب أو اللون الواحد، وأن تأكل الصحن الواحد، وأن تقرأ الكتاب الواحد، وأن يصاغ لها طموحات واحدة، وأذواق واحدة، وأفكار واحدة، ونمط حياة واحد.

الفردوس المفقود هذه الفكرة طرحها الباحث الأمريكي «ديفيد روتكوبف» الذي يعمل حالي ًا في جامعة كولوم يبا في مقال مثير نشرت ترجمته مجلة (الثقافة العالمية) الصادرة في الكويت قال هذا الباحث: «نريد فردوسا واحدا لهذا العالم ولا مطامع لنا عند الآخرين»، وكأن الناس في بلاد الغرب على درجة عالية من التواضع والحياء، بحيث يأكل القط عشاءهم وهم ينظرون إليه بمنتهى الوداعة والخجل. إنها دعوة إلى قيام الحضارة العالمية الواحدة في ضوء الاختيار بين (الترهيب) أي صدام الحضارات أو (الترغيب) بالانضمام إلى الحضارة الواحدة لفرض أنماط حياتها المتفسّّخة والإباحية والمثلية وأفلام الرعب والجريمة وأفلام الدعاية الجنسية الموجهة للشباب وبرامج التعليم. هذا يعني ببساطة أن السيطرة على ثقافة الآخرأو تراثه تقتضي تهميشه أولاًً، وتقتضي تفتيته، بل إلغاء دوره كحام للمجتمع والرافع له، وبالتالي طرح ثقافة بديلة عنه، ثقافة مصنّّعة وجاهزة. صحيح هناك عالم واحد هو الكرة الأرضية التي نعيش عليها، لكن على هذه الأرض والعالم الواحد أيضاًً، حضارات متعددة وشعوب متعددة وقبائل متعددة وثقافات متعددة وتراثات متعددة، ولغات متعددة، وبمعنى أدق إن العالم يقوم على حضارات إنسانية متمايزة عن بعضها ولها خصوصيتها، قد تشترك في أشياء وتختلف في أخرى. وفي القرآن الكريم قوله تعالى: «وََلََو ش ََاء رََُّبَّك لََج ََعََل النَّّاس أ َُُّمًّة وََاح ِِد ََةًً».

الإمارات ورؤية متقدمة للتراث تراثنا هويتنا

مر بها عبر هذا التطور، كالأبنية التاريخية والحرف اليدوية والأزياء الشع يبة. وثانيهما: ينصرف إلى الشق المعنوي، المتمثل في ما تم توارثه من قيم وعادات وتقاليد جيًلا بعد جيل، وهذا التراث التاريخي يقوم بدور ك يبر في تحديد معالم الشخصية الوطنية للدولة على الصعيد المحلي، وصورتها الذهنية على الصعيد الخارجي والعالمي. من هذا المنطلق تولي دولة الإمارات العربية المتحدة التراث التاريخي أهمية ك يبرة، وهو ما عكسه تأكيد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله ورعاه - بقوله: «إن الحفاظ على التراث وتوريثه للأجيال القادمة يمثّّل هدفا استراتيجيًا يسعى شعب الإمارات من ورائه إلى تقوية روابطه وصلاته مع تراث الآباء والأجداد». ولا شك في أن هذا الاهتمام الذي توليه الدولة لحفظ تراثها الوطني، يعكس الدور الذي تقوم به مؤسسات معينة كثيرة قامت في إمارات الدولة، وتقوم بدور هائل في س يبل تعزيز الموروث التاريخي وتعزيز الثقافة الوطنية. وأخيار وليس آخارًً، إن غنى هذا التراث وحضوره في وعينا يدعونا إلى إعادة قراءته قراءة عقلية نقدية، كي نجعل منه تراث البناء، وتراث مسايرة العصر، وكي نظل بذلك دائما في اتصال معه بدل الانفصال أكاديمي وباحث في التراث

إن التراث هو الهوية، فإهماله هو إهمال للهوية، لذلك لا بد من إعادة كتابة تاريخنا الثقافي بصورة عقلانية وبروح نقدية، لأنه من خلال ممارسة العقلانية النقدية في تراثنا نكتسب عقلانية أصيلة وجديدة، ستكون هي التربة الصالحة، الغنية الخصبة التي تستطيع حمل مبادئ وأسس العلم المعاصر. ولقد استطاعت دولة الإمارات العربية المتحدة وهي تعيش قلب الحداثة بكل قوتها وطغيانها أن تحافظ على تراثها، وعملت على تجديده وتقديمه وتسويقه للعالم، كتراث إنساني محبّّب شكّّل محور الهوية الشخصية للمجتمع الإماراتي من خلال تجديد عناصره الموروثة الخاصة مثل نمط الحياة الاجتماعية، وثقافة الطعام، والزواج، والطقوس الدينية، والحرف اليدوية، والفنون الشعيبة، ومرافقها المتعددة التي تجسّّد تاريخ المنطقة مثل القلاع، والحصون، والمساجد، ومرافئ الصيد، وأسواق السمك، وأرصفة بناء القوارب، ومراكز تدريب الصقور، وأسواق الذهب، وأسواق البهار، وغيرها. وبات هذا التراث يمثّّل الحاضنة الأساسية للهويّّة الوطنية، وذاكرة متجددة للوطن وموروثه التاريخي ولا يغادر ذاكرة الإمارات يين، ويتضم ّّن جان يبن: أولهما: خاص بالجانب المادي من آثارومعالم تاريخية معي ّّنة تجس ّّد تطور المجتمع والمراحل الأساسية التي

37

36

2024 يونيو 296 / العدد

الانفصال عن التراث من أجل تجديد الاتصال به «جسر جديد في رؤية إماراتية حداثية»

Made with FlippingBook Online newsletter maker