torath 296 - June - 2024

الابتكار في التراث: تجاوز للزمن برؤية مستقبلية

؛ وإزاء هذه الطروحات وغيرها ) 3 ( الحداثة وتصحيحا وتصويبًا لها لم يكن لمثقفينا حيالها سوى التلقي، ورغم إدراك العددين منهم بأنه من الواجب عليهم إطلاق طاقات الابتكار والإبداع الفكري والفني والعلمي لدى الإنسان العربي فإنهم لم يحسنوا إثارة التوجه إلى ذلك بسبب عدد ليس بالقليل من المعوقات لبلوغها، ومن ضمن هذه المعوقات عدم بلورة موقف حاسم ونهائي من ماضينا ومنجزات تراثه التي لا يمكن القفز عليها وتجاوزها لأهميتها التي أفادتنا كما أفادت الأوروبيين أنفسهم منها، إضافة إلى أنها تمتلك مقومات هويتنا وشخصيتنا التي تميزنا عن سائر الأمم الأخرى، وكان من جراء هذا الاختلاف

ومن المؤسف أنهم كانوا لها الصدى، رغم عدم استقرار مفهومها في أذهانهم وانجلاء فحوى دلالاتها وبلورتها، فبعضهم رأى أن الحداثة لم تستطع بنزعتها العقلية أن تحقق الغايات التي جاءت من أجلها، ويمضي المفكر «تورين» إلى أبعد من ذلك قائلاًً: إن الحداثة ذاتها تطورت ضد نفسها وأخفقت في ، ومن ضمن من وضع الحداثة في ) 2 ( تحرير الإنسان كما يرى قفص الاتهام أيضا «جان فرنسوا ليوتار» مطالبًا في دعوته الانتقال إلى ما بعد الحداثة من خلال مراعاة الاختلاف، وتعدد الهويات، وتحريرالنزعة الروحية والعقلية من التناقض والتضاد فيما بينها، وهو ما اعتبره بأنه يجب أن يكون جزءا من جوهر

الحداثة والهوية والتراث والأصالة

أحمد حسين حميدان مازال إلى اليوم موضوع الحداثة والهوية والتراث والأصالة مفتوحا على الأخذ والرد وخاضعا إلى اجتهادات مختلفة ومواقف متباينة غيرمحسومة، ظن ار إلى جملة من أسباب متعددة يأتي في مقدمتها تباين الرؤية إلى ماهيتها وإلى الموقف منها ومن مؤثرات كل منها على المشروع النهضوي وهويته على الصعيد الفردي والجمعي أيضاًً، ناهيك عن عدم وضوح الرؤية ذاتها واختلاف المواقف الناجمة عنها من مكونات ودعائم هذا المشروع الذي في صلبها وصميمها التراث والأصالة والحداثة أيضاًً؛ لذلك وجدنا غير تعريف لهذه الحداثة ذاتها التي تم اعتمادها بوابة مر زكية للدخول الفاعل إلى معترك الحياة الحديثة، وفي سياق هذا الفحوى ثمة م ََن رأى بأن الحداثة هي تحديث وتجديد ما هو قديم للسيطرة على الطبيعة وقواها المختلفة لتكون في خدمة الحياة ومعارفها، وهي وفق ذلك مصطلح يبرز في المجال الثقافي والفكري التاريخي ليدل على مرحلة التطور التي طبعت أوروبا بشكل خاص في مرحلة العصور الحديثة، ورآها آخرون بأنها ما يستجد من الأمر وما كان منه قديما ًً، وقبل الاتفاق أو بلورة تعريف نهائي للحداثة قالوا عنها بأنها تتسم بالثبات والشمولية وبأنها لا تلبي كل التطلعات المستقبلية، وأطلقوا بصوت وبصبغة أوروبية ما سموه ما بعد الحداثة مشيرين إلى أنها متسمة ومتصفة بالشكل المفتوح ، وتلقّّى الوسط الثقافي العربي أصوات هذه الطروحات الجديدة. ) 1 ( والرؤية الرحبة

45 2024 يونيو 296 / العدد

44

الحداثة والهوية والتراث والأصالة

Made with FlippingBook Online newsletter maker