torath 296 - June - 2024

الابتكار في التراث: تجاوز للزمن برؤية مستقبلية

تراجع خطابنا المعرفي ومشروعنا النهضوي عن بلوغ المأمول منه، وعدم بلوغه في مقومات مسعاه الذي توجه إليه وذلك لقصور مزمن في بصيرتنا التي لم تكن محيطة بالكل المعرفي الماثل بمنجزاته التراثية الماضية، وبذلك افتقدت مقومات التأثير في العديد من العلوم المعرفية التي كانت من منجزات علمائنا القدماء ووليدة أفكارهم المجتهدة التي استفاد منها ، الأمرالذي يفسربقاء خطابنا ) 4 ( واستثمرها الآخرالمتقدم علينا التع يبري والنقدي المعاصر رهن ثنائية التراث والحداثة، أو التراث والنهضة أو التقليد والتجديد، وكان مما نجم عن ذلك مواقف ظلت متباينة إلى اليوم في اتجاه هذا الآخر الذي تم رفضه بكل منجزاته بحجة الحفاظ على الهوية والأصالة، بينما ارتفعت أصوات أخرى مناقضة لهذا الموقف تماما وداعية إلى الأخذ بكل شيء عينه وبتقليده للحاق به وبمكانته المتقدمة، في حين أن من بين هؤلاء وأولئك كان ثمة م ََن دعا إلى الحفاظ على التراث والأخذ من أسباب التقدم ما لا يتعارض مع هويتنا ومع أصالتنا، وإذا كان ذلك سيفتح الباب على مصراعيه على سؤال الهوية والوجود والمصير، فإن هذا السؤال ذاته سيتطلب إعادة التمعن في ط يبعة العلاقة التي يجب أن تقوم ، هل هي علاقة تابع بمتبوع أم إنها ) 5 ( بين الماضي والحاضر علاقة تقوم على التفاعل والاصطفاء والإضافة التي تكفل للذات الثقافية بلوغ ملامحها المفقودة والتي ما برحت تراوح ٍ تسود فيه الحيرة والغياب بلغ من جرائه �ٍّ في راهنها على نحو الرافضون لأي تفاعل مع الآخر المتقدم والتقوقع الذي أدى إلى التأخر. في حين أن الفريق الثاني الذي تجاوز التراث ملغي ًا كل معطياته ومنجزاته وقع في إسار التقليد والاتباع دون أي فاعلية، فانتهى به الأمر إلى التقوقع والتلاشي أيضاًً.. ولا نبالغ إذا قلنا إن كلا الفريقين قد ظلم التراث وظلم معه ذاته التي ألقى بها في ملامح لا تشبهه، فالتراث هو معطي ثقافي في المقام الأول وكان قد بلغ هذا المقام بأخذه بما بلغته علوم عصره، ثم أنجز بعدئذ إضافته الإبداعية عليها، هذا ما كان ليس في تراثنا فقط بل حتى في التراث الأوروبي وغير الأوروبي كذلك، فمن يستطيع اليوم أن يؤكد أو يزعم أن الأوروب يين لم يستفيدوا من تراثنا العربي الإسلامي الذي فيه رََس ْْم أول مصور جغرافي من العالِِم الإدريسي، واكتشاف الصفر العددي من العالِِم الخوارزمي، وصولا إلى ابن رشد الذي قدّّم العقل على النقل أمام النص... كل ذلك أخذت به أوروبا من خزائن تراثنا بلا حرج وبنت عليه ملامحها الحديثة، وإنجازاتها المعاصرة

على تعددها واختلافها، محققة ذلك وفق تفاعلها مع معطيات تراثنا ف ِِعلها المنجز الذي للأسف نفتقده نحن اليوم لأننا لم نحسن التعامل مع أنفسنا في إثبات ذاتنا، التي بقيت سادرة في الغياب. كما أننا لم نتعامل كما ينبغي مع تراثنا الذي تعامل معه بعضنا بصفة المقدس والمكتمل والنهائي الذي لا يحتمل التجديد والإضافة فبقى عاطلا عن النمو، كما تعامل معه بعضنا الآخر على أنه فاقد الصلاحية وبلغ أجله ف ََق ْْد الصلاحية ٍ جلي أن تراثنا نفسه �ٍّ والمنتهى، ويبدو في حقيقة الأمروعلى نحو يقف على مفترق طرق مفصلي من هذين الفريقين معاًً؛ فهو يخلع عن قوامه وعن محتواه صفة التقديس والقداسة التي ألبسوه إياها بقول الإمام مالك: كلنا يؤخذ منه ويُُرََد عليه إلا صاحب هذا المقام، مشي ار إلى ضريح الرسول الكريم.. وكذلك الحال نفسها في قول الإمام الشافعي: رأيي صحيح يحتمل الخطأ والرأي الآخرخطأ يحتمل الصواب.. كما أنه يرفض جهل أو تجاهل أولئك بما احتوت عليه خزائنه من إرث معرفي جراء تفشي الأمية الثقافية في معظم مجتمعاتنا العربية للأسف، فيتناقلون ما هو عند الآخر غير عارفين أن جذور بعضه موجودة في هذا التراث الذي كل ما فيه من منجزهو من صنع أجدادنا، ويجهلون أن العديد من الطروحات التي تتعلق بعلوم اللغة وبمختلف العلوم الأخرى لها أسبقية الوجود ضمن تراثنا عينه، فمفهوم الدلالة مثلاًً، وإشكالية اللفظ والمعنى جاءت عند عبد القاهر الجرجاني وعند الجاحظ قبل مفهوم الدلالة ، وكذلك تأتي أسبقية ) 6 ( اللساني الذي جاء به لاحقا دوسوسير ابن النفيس في دورته الدموية الصغرى، وابن خلدون والأجيال التي رصدها في عمر بناء الدول على اختلافها.. خلاصة القول: إن مََن جعل من التراث قوقعة دخلها واستكان فيها دون أن يُُح ْْدث بها أي إضافة ظلم التراث بعدما أسكنه للثبات والموت جاهلا أو متجاهلا أن أجداده وحدهم صنعوا زمنهم فيه؛ وكذلك حال مََن ألغى التراث من حسابه المعرفي وألقى بنفسه ًًا في مشروع الآخر سواء الأوروبي أو غير الأوروبي منفعلا ومنبهر به فقد ظلم التراث أيضا لعدم تبصر إنجازاته المتراكمة؛ وبينما الأول يلجأ إلى النقل من الماضي التراثي، يلجأ الثاني إلى النقل من حاضر منجز الآخر المنبهر به؛ وبذلك يُُظ ْْلََم التراث من الاثنين معاًً، وهو ما يتطلب من الجميع مراجعة مواقفهم التي يجب أن تكون أنضج وأعمق في تعاملها مع التراث الذي يعتبر تجربة ثرة للحاضر الذي عليه وعلى أصحابه الاستفادة منها وتطويرها والإضافة عليها، وقبل ذلك فإن التراث فيه

، وبذلك تعيش عصرها بحضور فاعل لا ) 8 ( كما يعبر ابن رشيق تنقطع فيه ثمار منجزها عن جذورها وعن نسغ أصالتها الذي تتغذى وتتشكل منه هويتها الحاضرة بفاعلية كي تتبوأ مكانة متقدمة بجدارة إلى جانب الأمم المتقدمة الأخرى

جذور هويتنا والكثير من ملامح أجدادنا التي هي في المحصلة بعض ملامحنا؛ والاستفادة من تراثنا لا تمنعنا من الاستفادة من منجزات تراث الآخرين ومن نتاج حاضرهم وذلك ضمن منظوم معادلة تقوم على التفاعل وليس الاستهلاك والتبعية، ووفق ذلك علينا وعلى جميع مفكرينا التعرف الحقيقي والتمثل العميق بالحداثة التي ليست بالتأكيد مجرد قول عصري يمكن ترداده ساعة تشاء، بل هي إضافة وتطويروابتكارونهضة لسائر الجوانب الحياتية التاريخية وعلومها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعلمية والفكرية وسائر أقسامها وفنونها الإبداعية المختلفة على تعدد أجيالها التي بنى من تعاقبها عالم الاجتماع العربي الشهير ابن خلدون قوة حضور الأمم ، ونقوى عبر ذلك على القول إن الحداثة حين لا ) 7 ( وازدهارها يكون مُُنطلقها قائم بين التراث والأصالة فإنه لا يمكن لها أن تنشأ من فراغ ويُُخشى عليها أن تصاب بتبعية حداثة الآخر الذي لا يضيرها التفاعل معه والاستفادة منه شريطة الإضافة والابتكار ودون التفريط بالهوية ووقوعها بالذوبان والاستهلاك دون تحقيق إنتاجها إلى جانب إنتاج الأمم المتقدمة كي تضمن من خلال فعاليتها المشاركة في منجزمتطورلاحق لمنجزسابق ت ُُع ََد من خلال ما قدمته من أثرمنتج م ُُح ْْد ََثة بالنسبة إلى زمانها

كاتب وأديب من سوريا

هوامش وإحالات: - الحداثة وما بعد الحداثة، بيتر بركور، ترجمة عبد الوهاب علوب، المجمع 1 م. 1995 الثقافي، أبوظبي - الحداثة وما بعد الحداثة، عبد الوهاب المسيري ومؤلفون آخرون، دارالفكر، 2 م. 2003 دمشق - في معنى ما بعد الحداثة، جان فرانسوا ليوتار، ترجمة السعيد ل يبب، المركز 3 م. 2016 ، الدار ال يبضاء، المغرب 1 الثقافي العربي ط - المرايا المقعرة، الدكتور عبد العزيز حمودة، عالم المعرفة، مجلس الثقافة 4 م. 2019 والفنون، الكويت م. 2008 - نحن والتراث، محمد عابد الجابري، دار لطليعة، بيروت 5 - المرايا المقعرة، الدكتور عبد العزيز حمودة، عالم المعرفة، مجلس الثقافة 6 م. 2019 والفنون، الكويت م. 1992 - مقدمة ابن خلدون، المجلد الأول، مكتبة لبنان، بيروت 7 ، 1 - كتاب العمدة: أبو علي الحسن ابن رشيق القيرواني، مطبعة السعادة ط 8 م. 1907 مصر

47

46

2024 يونيو 296 / العدد

الحداثة والهوية والتراث والأصالة

Made with FlippingBook Online newsletter maker