torath 296 - June - 2024

الابتكار في التراث: تجاوز للزمن برؤية مستقبلية

الصناعات الثقافية والإبداعية وبناء المستقبل

تأسيسا على تلك القيمة التي تشكلها الثقافة في بناء المجتمع، يأتي اهتمام الحكومات والمؤسسات بمفرداتها وعناصرها ومقوماتها، وتمكينها في ممارسات النشاط المجتمعي، وأصبحت الاستدامة الثقافية جزءا أساسيًا من عوامل قوة المجتمع والحفاظ على هويته، وترسيخ مقومات التنمية الشاملة في بناء الإنسان، ليس على مستوى الحاضر/ الآني فحسب، وإنما على مستوى صناعة المستقبل، بعد أن دخلت الثقافة إلى عالم الاقتصاد كأحد مجالات الاستثمار، فيما يعرف بالصناعات الثقافية والإبداعية التي تعرف بأنها «أنشطة أو منتجات تقوم على المعرفة، أو على استخدام المعارف والإبداعات المعرفية والعقلية، وتتشكل في شكل سلع أو خدمات، التي تتحول إلى منظومة من منظومات الاقتصاد يطلق عليها الاقتصاد . ) 1 ( الإبداعي، أي الاقتصاد المرتبط بعمليات الإبداع والابتكار» وهذه الصناعة التي تجعل من النشاط الثقافي والعمل الإبداعي نتاجا اقتصاديا تُُوظف فيه إبداعات العقل البشري وابتكاراته وقرائح النفس الإنسانية في مختلف أشكال النتاج الثقافي وصنوفه، هي صناعة لا تفارق غاياتها الإنسانية، إذ إنها تسهم بذيوعها وانتشارها في عملية التلاقح الثقافي، وتضمن التنوع في تشكيل الثقافة الإنسانية، فضلا عن الارتقاء بالسلوك البشري الذي يأتي من ط يبعة هذا النتاج الاقتصادي (الثقافة)

عــادل نيــل

تعد الثقافة من أكثرالمفاهيم مراوغة وصعوبة في التحديد الاصطلاحي الجامع، ربما لتعدد مفاهيمها من عصرإلى آخر، وتداخلها كذلك مع معان أخرى كالعلم والمعرفة والحضارة، وربما لتباين النظرة المجتمعية إليها، بين من يراها ضرورة اجتماعية وإنسانية لها حضورها الحياتي الذي يرتبط ارتباطا عميقا بتشكيل الوعي، وموجهات السلوك، وتحديد خصائص المجتمعات وجوهرها فكار وقيما وسلوكًاً، وبين من يرى فيها ترفا اجتماعيا لا يشكل غيابه ضرورة أو أث ار له خطورته، حين يربطها هؤلاء بمن يمتلكون حظًا وافار من المعلومات العامة، أو يفترضونها في حاملي الشهادات والدرجات العلمية، ليكون المستوى التعليمي دليلا حتميا على معنى (المثقف)؛ أو حين ترتبط بمن ينتهجون نهج «اعرف أي شيء عن كل شيء» ممن لديهم القدرة على أن يخوضوا بحديثهم في أي شيء؛ لتصبح الثقافة بذلك أكثر نخبوية وانعزاليةًً، وكل ذلك بلا شك تسطيح لهذا المفهوم الذي يرتبط بكل فرد من أفراد المجتمع في نواحي الحياة كلها ونشاطاتها في الفن والأدب والفكر والتذوق والانتماء والسلوك، إلى غير ذلك من مظاهر الحياة الاجتماعية.

وإنساني، من خلال اتساق هذا المنتج مع القيم والذوق، ودون أن نحتكم إلى قدرته على التأثير السلوكي والإشباع الروحي. وعلى الرغم من أن هذه الصناعات تعتمد بصورة مباشرة على الإبداع الفردي، فإنها على اختلاف مظاهر تشكيلها، تأخذ قيمتها من كونها ظاهرة اجتماعية، إذ لا يمكن اختزالها في إطار فردي، حيث «تسعى فكرة الصناعات الإبداعية إلى توضيح التقارب المفاهيمي والعملي بين الفنون الإبداعية (الموهبة الفردية) والصناعات الثقافية (النطاق الجماهيري) داخل اقتصاد معرفة يستخدمها مواطنون - مستهلكون تفاعليون ، لذلك فإن السمات الحضارية للشعوب ما هي إلا ) 3 ( جدد» مجموع عناصر ثقافتها التي تتكون من آدابها وقيمها وعاداتها وإرثها، والمنظومة التي تتكامل فيها الأفكار والسلوك، وأصالة الانتماء إلى الهوية والموروث التاريخي الذي يتكئ عليه حاضر المجتمع ومستقبله، إذ «تعتبر اقتصاديات الثقافة رهانا استراتيجيًا يهم البناء الثقافي للمجتمع في وحدته وتنوعه، في حاضره ومستقبله، لذلك يعتبر دعم الدولة عاملا حيويا لصون النسيج الثقافي الوطني وتطويره، وشرطا ا � وتحفيزي يساعد الحركية الثقافية على الإبداع، وعلى المنافسة الثقافية ، وينتهي ) 4 ( في سياق العولمة وتنامي المنتوجات غير المادية» أثر هذا الدعم إلى تفاعل ثقافة المجتمع ومن ينتمون إليها مع معطيات الحضارة الإنسانية. ووفقا للمفهوم الشمولي للثقافة وما تنتجه صناعاتها، فرديا

والتي تعرف بأنها: «المعرفة والنتاج الروحي اللذان يقودان الفرد والجماعة إلى المثالية على مستويات عديدة: العلم، الفلسفة، الأدب، الفن، التفكير، الشعور، الموقف، الذاكرة، ، ) 2 ( وسوى ذلك، أي كل شيء، مرتبط بالحياة والسلوك» وبالتالي فإنها قبل أن تكون صناعة هي أداة تسهم بتراكماتها وتنوعاتها ومقاصدها في بناء حضارة الإنسان، والارتقاء بها إلى النموذج المثالي، ومن ثم لا يمكن أن نتعامل مع المنتج الإبداعي في أي مجتمع على أنه سلعة تحكمها اقتصاديات السوق الاستهلاكي، دون أن نضعه في إطار أخلاقي واجتماعي

59 2024 يونيو 296 / العدد

58 الصناعات الثقافية والإبداعية وبناء المستقبل

Made with FlippingBook Online newsletter maker