إضاءة
الباب في الشعر النبطي
الشعرالنبطي أحد أهم فنون الأدب الشعبي الذي يهتم بالإنسان ودواخله وعلاقاته مع من حوله من الناس والمجتمع، وحتى مفردات المكان والزمان. ودائما الشعرالنبطي على مدارتاريخه العريق كان صوت الإنسان وكاشفا عن قيم وعادات وسلوك الناس والمجتمع، وأحد أدوات تسجيل تلك القيم الرابطة بين الناس، وشاهدا على الذكريات والحوادث، ومسجلا لكل الظواهرالمجتمعية من حوادث وأفراح ولقاءات وأعياد وبهجة، وحتى الأوقات العصبية في تاريخ الإنسان والمجتمع فإنه يسجلها في ذاكرته التي لا تمحى أبدا من سجل الفعل الجمعي العام. وكان للباب نصيب مهم في حوارات بعض شعراء النبط الإماراتيين، ومن خلاله أبرزوا قيم المجتمع، وسيرة الإنسان المتوحد المكلوم أيضا في لحظة إنسانية احتاج فيها أنه يعبر عن دواخله ويظهر وحدته وعزلته في زمنه الآني، ولكنه يتذرع بالباب ويقيم معه علاقة إنسانية، فهو هنا يخرج الباب من سكونه وجماده، وأنه ليس مجرد ألواح صماء، ويجعل له آذانا وروحا وقلبًا أي إنه يؤنسنه، أي يجعل منه إنسانا فيحاوره ويشكوله أوجاعه، أويقيم معه علاقة، ومن خلال هذه العلاقة تنسال رؤى وأفكار وأوهام وأحلام وأمنيات. من هؤلاء الشعراء الشاعر الإماراتي الك يبر راشد شرار في ديوانه غصن المعاني نلمح قصيدته «الباب الكذاب».. العنوان على التو يحيل إلى الباب، الإنسان الذي يحس ويشعر، بل له حيوات وصفات البشر فيكذب أيضا ًً. العنوان «الباب الكذاب» يكشف للقارئ س يبل وطريقة التعامل مع متن النص، العنوان نواة كاشفة عن نسيج القصيدة ومبتغاها، وكاشفا عن المحتوى والقصدية منه نحو الهدف الكلي من القصيدة، والعنوان هنا «الباب الكذاب»، وهو بالقطع جماد لا يحس ولا يسمع ولا يتكلم، ولكن الشاعر أراد أن ينقله إلى حالة الإنسان، ليكشف عن دواخل الشاعر تجاه الحياة والمحيط، ويكشف رؤاه تجاه ما يوده للإبلاغ والتعميم عن حالته، ربما أو عن حالة عامة. وفي قصيدته يقول راشد شرار، وجو القصيدة يحيلنا على الفور أنه وحده داخل مكانه المغلق يعاين الوحدة والعزلة ويعيشها منفردا لا أنيس أو جليس، أي الحالة التي يختلي فيها
هنا الشاعر استخدم الباب لإبراز حالة الحب وحالة وحدته وصد الح يبب وغيابه عنه، لما فتح الباب الذي توهم أنه دق، فتخيل الح يبب القادم، ولكنه ص ُُدم ولم يجد غير شوقه هو الذي يحركه فلا باب دق ولا الح يبب في الخارج.. ولما غشيه الذهول والارتباك والحيرة والتوهان وانتبه لنفسه وذاته الوحيدة وأوهامه، أغلق بابه ورجع إلى وحدته وأفكاره وأوهامه صكيت بابـــــــــــــي يوم قف ّّى ولا جــــــــــــــــــــــــــاب تميت بين أربــــــــــــــــــــــــــع زوايـــــــــــــاي ثايــــــــــــــــــــــــــر وعاد إلى عزلته مدركا أن شوقه قاتله، وأنه في غلواء هذا الإقبال وهذا الشوق ربما يتوقف الزمان والحوادث لا مجرد شوق من طرفه والح يبب في البعد لا يدري ولا يدرك ولا يقبل الشاعر الذي اتخذ من الباب ست ار لفضح حالة الوجد والحب والشوق واللهفة للح يبب، هو نفسه الذي جعله مفتاحا للتع يبر عن كل هذا من خلال الباب الذي سيعبره الح يبب إلى الداخل ليأنس به ويثري وجدانه بنور الح يبب ووجوده معه كي يتخطى الشوق والوحدة والتفكير في الح يبب الغائب. فتح الباب فلم يجد أحداًً.. أغلق الباب وعاد إلى عزلته ووحدته، ولكنه يفصح عن مكنون ما في نفسه وتوقه إلى الح يبب الذي ينتظرقدومه، في النهاية يعبرعن حيرته تجاه الباب، هل يغلقه فيموت الأمل في حضور الح يبب ودخوله، أم يفتح الباب ليظل الأمل حيًا يا ليت ألقى لـــــــــــــي من الناس شايـــــــــــــر وهكذا يتخذ الشاعرمن الباب وسيلة للتع يبرعن حالة إنسانية وحب وأمل وشوق، ومن الباب بين حالة الإغلاق والفتح تبدو الحالة الإنسانية التي يعتمر بها الح يبب بين اليأس والرجاء وبين الرضا والخشوع ووهن الحزن الجارف. بالحضور ودخول هذا الح يبب الجافي: ما أدري أصــــك الباب أو أفتح الباب الباب حالة إنسانية ووجدانية رغم أنه جماد من أخشاب صماء، ولكن الإبداع والخيال وبراعة الشاعر حولته إلى حالة سائلة من المشاعرالفياضة ووسيلة للتع يبرعن مكنون النفس في إحدى منعطفات حيواتها البشرية، هذه العلاقة التي تمك ّّن بها الشاعرمن إيجاد ممرات للتع يبربالشعرالنبطي عن دواخل النفس البشرية وعميق الذات الإنسانية تجاه آخر تفاعل معه
فتوهم أن للباب دو ار مهما في عبورالح يبب ماديا ومعنويا لفتح مدارات وآفاق المتعة الحسية والمعنوية. الشعر النبطي لم يترك منحى إنسانيًا أيضا إلا وقد كشفه ليؤكد حيويته وارتباطه بوجدان الإنسان، وأنه وسيلة جيدة للتعيبر عن الحياة بحلوها ومرها، وسيظل الشعر النبطي نبراسا مستداما يثري وجدان الناس وينيردروبهم العطشى نحو الإبداع، ونحو تسجيل ثقافتهم الجمعية وسندهم القويم على مدار الزمن. وقصيدة «الباب الكذاب» للشاعر راشد شرار تكشف لنا من زاوية أخرى عن أهمية الباب ليس في وظيفته المنوطة به كوجاء للإغلاق والأمان، أو الحماية والحراسة، ولكن القصيدة تكشف عن إمكانية الاستخدامات المعنوية والدلالية والسيمائية التي يمكن أن ترشح من العلاقة التي يوليها الإنسان بالباب كعلاقة مباشرة مع جماد له وظيفة حسية كما قلنا الأمن والأمان، إضافة إلى وظائف أخرى معنوية كالوجاهة والفخامة والعز والعزة، وكاشفا عن حيوات الإنسان وعلاقته مع نفسه وذاته والآخرين أيضا سواء كانوا أحباء أو أعداء، ولذلك نرى حضور الباب بقوة في الثقافة الجمعية والشع يبة على مدار التاريخ
عبد الفتاح صبري روائي وناقد مصري
بنفسه ويعيش عزلة باردة، فيقيم علاقة تواصل مع الباب، ويتخيل أن هناك زائ ار آت كي يخرجه من تلك العزلة، ويتهيأ له أولا أن هناك طارقا على الباب: سمعت دق الباب قلت أفتـــــــح الباب يمكن مشرفنــــــــــــــــــــــــــــــي من البعد زايـــــــــــــر ًًا وهنا سمع من يطرق الباب فتخيل على الفور أن هناك زائر سيفض حيرته ووحدته ويفتح له عوالم الأنس والبهجة، إلى أن يقول بعد إعلان فرحته وابتهاجه بهذا البشير.. إلخ: فتحـــــــــــــت بابـــــــــــــي أتراه البـــــاب كـــــــــــــذاب ما شفـــــــــــــت إلا الحب مدرك وحايـــــــــــــر المتوحد وراء الباب سمع أو يُُهيأ له أنه سمع دق الباب فلما فتح لم يجد أحدا على الباب، فاتهم الباب بالكذب. وأدرك أنه حيران بحبه وحببيه، وأنه في وحدته يتمنى وجود الحيبب. ويبدأ الشاعر في إعلامنا بموجبات حيرته أنه متشوق للح يبب الذي لا يأتي، وللشوق الذي يناوشه في وقته، وعن الأحباب الذين لا يمرون، وأن الشوق نيابة عنهم هو الذي يأتي ويزور.. إلى أن يبرز لنا حالة الجفاء التي يعتمرها الح يبب: ّّـــــــــــــح لصداتـــــــــــــه أسباب محبتي ولا وض وأنا أنـــــــــــــادي حـــــــــــــارس الشـــــــــــــوق ساير ويشهرلنا أكثرتخبطه في حالته ما بين الشك والثقة، وما بين الثرى والهواء لا يعرف لماذا جفاء الح يبب وانقطاعه وصده: روّّح وأنا ما بيــــــــــــــــــــــــــن واثق ومرتــــــــــــــــــــــــــاب مرّّة أوقـــــــــــــع ع الثـــــــــــــرى ومرة طايــــــــــــــــــــــــــر
77 2024 يونيو 296 / العدد
76 الباب في الشعر النبطي
Made with FlippingBook Online newsletter maker