torath 296 - June - 2024

ارتياد الآفاق

الاستعمار. تتضم ّّن هذه الرحلة آثا ار من التأثر بالأدب العربي القديم، حيث يجمع بين النثروالشعر. يصف صاحب «النفحة الندي ّّة في الرحلة الأحمدي ّّة» المناظر بأسلوب نثري، ثم يعقبه بقصائد قد تكون من صنعه الخاص أو من إبداعات آخرين، مُُزينا إياها بشاهد وتأكيٍدٍ. بالإضافة إلى ذلك، يسرد الورتتاني خلال الرحلة العديد من النوادر والطرائف المُُضحكة، التي شهدها خلال تنقّّلاته بأسلوب تلقائي، ما يجعل قراءة هذه السفر مُُمتعة لاستكشاف عقلية ذلك الزمن، وكيفية تق ييم الأشياء وفهم الظواهر الط يبعية والعمرانية، وص ِِيغ التواصل بين العرب والفرنس يين. مسار الرحلة م، الساعة الثانية 1913 يونيو 6 بدأت رحلة الورتتاني في يوم يوليو من 7 بعد الزوال، وانتهت بعد شهر من ذلك في يوم يوما في باريس. بدأت الرحلة 12 العام نفسه، حيث قضى من القيروان، ثم زار حلق الوادي، قرية في ضواحي تونس. في أوروبا، زار الورتتاني سويسرا وفرنسا، وتضمنت المدن التي

السكان أربعة وعشرون ألفا غاصة بالوافدين للفرجة على مصارعة الثيران في هذا المساء، والمقاهي مكتظة والمطاعم مفعمة والطرقات مزدانة بأوراق صور الثيران. بحيث رأيت على القرية زينة المواسم وعلى النساء شكلا ممتااز من اللباس ومسحة من الجمال العربي الذي مازج السكان من القرن الثاني. قرروا أن يوسف بن عبد الرحمن والي نربون استولى وأقام على مسرحها Arles هـ على أرليس 2 في أواسط القرن الـ الروماني أربع صوامع للحراسة لا تزال منها صومعتان إلى الآن. أما تأسيس المسرح فهو من القرن الثالث للميلاد وقد قدمنا في نيم أن الأنفيتياترو، معناه حول اللعب لفظة مركبة من كلمتين من لغة الإك ََريك. وللأمم السالفة ولع ببناء هاته الهياكل وعناية بحضور الألعاب بها. والكتب العربية في القرون الأولى تعبر عنها بالطياطرا محرف «تياترو» وتفسرها بدار الملعب وقالوا في وصفها بقرطاجنة - أقواس على سواري - وعليها مثلها ما أحاط بالدار وقد صور في حيطانها جميع الحيوان وجعلت فيها صور الرياح، الصبا: وجه مستبشر، وصورة الدبور: وجه عبوس،... إلخ. وفي نظرته إلى أوروبا يقول: نجدة السكان من قديم الزمان من قديم على ما ا � وفرنسا خصوص ا � سكان أوروبا عموم يقتضيه الإنصاف أهل منعة وبسالة وبمكان من إباية الضيم، فانظر لأحوالهم حتى في أدوارهم الأولى وتاريخهم القديم وهم في شظف من العيش وبساطة من لوازم الحياة وبُُعد عن

المعارف، ومع ذلك فقد دافعوا في الدول القوية وطاردوا الأمم الراقية وذبوا عن أوطانهم وأبوا نزول الأجنبي بها، وواقعة شارل مارتيل مع عبد الرحمن الغافقي في أراضي بواتيي من فرنسا الغربية الجنوبية، وتسمى تلك الواقعة ببلاط الشهداء عام للهجرة تنبئك عن بسالة القوم ودفاعهم عن تراب وطنهم؛ 114 ولذلك قال موسى بن نصير في حقهم حديثا مع سليمان بن عبد الملك في المئة الأولى من الهجرة عندما قال له أخبرني عن الإفرنج فأجابه: هناك العدد والعدة، والجلد والشدة، والبأس والنجدة. وكذلك خرج العرب من جنوب فرنسا وجنوب إيطاليا وجزائر البحر الأبيض، مثل: صقلية، ومالطة، وكرسكة وغيرها رغما عن طول أمد الاحتلال في مثل جزيرة صقلية التي دامت سلطة الإسلام فيها نحو مئتين وسبعين عاما ًً. وأكبر برهان على هذا ما قررناه في جزيرة الأندلس بالإسبان فهم لم يناموا عن الأخذ بالثأر من المسلمين الذين سلبوا ملكهم وسكنوا أرضهم وتربصوا بهم الدوائر وهم في الجبال النائية عن بسائط الأندلس بعد قرون عديدة وسلطان قوي وعلوم زاهرة، وحضارة باهرة، وعمران مستبحر. فكل ذلك لم يغن شيئا فكيف بك وأوروبا الآن هي سيدة القارات وأممها، وهم بلغوا من الحضارة منتهاها وفي المعارف غايتها وفي نظامات الحرب أقصى المهارة، وفي الصنائع غاية الدقة، وفي عمران الأرض أحسن إجادة، وفي التجارة أصبحت كل العوالم عالة عليهم في الملبوسات وسائر المقتنيات، وفي الثروة باتت في

مدينة. 18 زارها مقارنة ومقاربة:

مسلة الأقصروسط ساحة الكونكورد

تظهر نظرة «الورتتاني» المنفتحة على الآخر والوازنة المنصفة إلى سكان أوروبا وفرنسا بأنها شعوب قديمة تتمتع بمكانة مرموقة في العالم، يعتبرها أهلا للبسالة والنجدة والبساطة في العيش. ويشيرإلى تاريخهم القديم ودفاعهم المستميت عن أوطانهم، مثلما حدث في واقعة بلاط الشهداء. ويؤكد شجاعة الشعوب الأوروبية في مواجهة الاحتلال وحفظ استقلالها، وتظهرتحولا هائلا ًً، حيث أصبحت أوروبا سيدة القارات يتحدث «الورتتاني» عن الثروات الهائلة التي امتلكوها والإنجازات التي حققوها في مختلف المجالات. ومع ذلك، يشير الكاتب أيضا إلى أن تطور أوروبا لم يكن بلا ثمن، حيث كانت عرضة للاحتلال والصراعات على مرالتاريخ. كما ي ُُظهرالكاتب تحديات ومواجهات سكان أوروبا القديمة مع شعوب أخرى، مثل العرب في الأندلس. وفي مقاربة لافتة للانتباه يقرن الكاتب بين العلم والحضارة العربية والإسلامية والنجاحات التي حققها البربر، ويشير إلى تأثير الثقافة العربية على تطورهم، ويبرز أهمية التعليم والثقافة في تطور الأمم، ويظهر تقديره للتمدن والحضارة العربية. من الرحلة: جاء نسق الرحلة معبّّـ ار عن الخلفية الفقهية والمدرسة الدينية

للرحالة فبدأ الرحلة بالحمد والثناء مع السجع على عادة القدماء يقول: الحمد لله الذي أمربالسيرفي الأرض. وأثاب على المباح بحسن النية ثواب المندوب والفرض. نحمده أن جعلنا شعوبا وقبائل. لتعارف الأواخر والأوائل. فمنهم الراقي والمنحط، والمفرط ِط والوسط. اختلفوا لاختلاف الوظائف والطوائف �ِّ والمفر والنحل والأجناس، في شارات الأكسية وحلل اللباس. ولاختلاف حرارة وبرودة الطقس، على حسب البعد والقرب من خطوط الأرض المسامتة لسير الشمس. فأوجبت الأقطار الباردة على أبنائها الانكباب على العمل، ودعت الجهات الحارة سكانها إلى التمتع بنظر الكواكب والإخلاد غالبًا إلى الراحة التي يعقبها الكسل. كما اختلفوا لهذا الشأن، في النباهة والغفلة والسمات والألوان. واختلاف الألوان واللغات، له سبحانه وتعالى من أعظم الآيات. ونشكره أن جعل ما في الأرض من ماء ومرعى، لسكانها متاعا ونفعاًً. في مشهد مصارعة الثيران يقول صاحب الرحلة: .... وتناولت الغذاء على الساعة الثانية في مطعم في الشارع الذي يصعد إلى الأنفيتياترو. وكانت هاته القرية التي بها من

في مرسيليا، فرنسا Vieux قلعة سان جان وكاتدرائية دي لا ماجور وميناء

89

88

2024 يونيو 296 / العدد

رحلة المقداد الورتتاني المعروفة بــ: «البُُرْْنُُس في باريس»

Made with FlippingBook Online newsletter maker