دراسات إماراتية
مخاطبة الرياح في القصيدة النبطية الإماراتية
يـــــا هــــبـــــوب الــــكـــــوس لــمــطــلـــــــــــــي لـــــــــي عـــنـــيـــت اويــــيـــــــــــــت لـــــديـــــاري بــــلــــغ إمــــــــــــــــــــا بــــــــي انــــــــا إلـــخـــلــــــــــــــــــــــــــي لــــــي خـــفـــى عـــن شــــــوف لــنــظــاري ومن خلال الاستهلال الجميل يظهر لنا الشاعر العت بية عن حقيقة مشاعره، فيخاطب رياح الكوس أن تبلغ أحبّّته بأحواله، وما لحق به من ألم العشق والفراق، ومن عذابات البعد والهجران وتشتعل في أحشائه نار الفراق. ونجد عشقا مماثلا في نداء هبوب الكوس عند الشاعر عتيج بن روضة فيقول طالبًا من تلك الرياح السرّّاية إبلاغ سلامه : ) 3 ( وعشقه للمحبوب يا هبــــــــوب الكــــــــــــــــــــــوس سرّّايــــــــــــه بلغــــــــــــــــــي منــــــــــي ســــــــــــــــــــــــــــــــــــلام لــــــــــــــــه لبو خليفــــــــــــــــــــــــــة آرد شكوايــــــــــــــــــــــه يعــــــــــل مني مــــــــــــــا بــــــــــــــــــــدت زلــــــــــــــــه الرياح.. تعالق مع الوجدان الرياح هي الوسيط الأمين بين الحيبب ومحبوبه، تبلغ المحبوب السلام والتحايا، وتحمل إليه أريج العطر والفل، وفي هذا المعنى يقول الشاعر خليفة بن مترف معب ار بذوقه الصافي وحسه المرهف، ومحاوار نسيم الريف، ورياح الشرتا : ) 4 ( والسهل يا نسيم الريف يا شرتا السهل دوك هذا الخط وافعل ها الجميل ِغ المحبوب جيلي والمـــــــثل والحــــــذر لا يكشف السر الهبيل �ِّ بل إن هذا النداء لنسيم الريف يحمل جماليات راقية من خلال المفردات (النسيم، الريف، شرتا السهل)، أضف إلى ذلك أن هذه المفردات جاءت عذبة تنساب في طلاقة كطلاقة النسيم ورياح السهل، إن هذه الرياح هي الواسطة الوحيدة لوصل الشاعر بمحبوبته البعيدة. وترتبط مشاعر الشاعرة موزة المهيري، بعلاقة فياضة مع هبوب رياح السهيلي المحمل بزخات المطرفتنعش عليل القلب، حين تصف جماليات رياح السهيلي التي تهب مع المطر، النازل على الأرض، وكيف تتحول بعد ذلك مخضرة، وتراقص الطيور والعصافير على الأزهار : ) 5 ( والشجر التي تتمايل بفعل هبات الرياح اللطيفة فتقول هب السهيلـــــــــــــــــــــــي يـاب ريعــــــــــــــــان يــذكــر الـقـلــــــــــــــــــــــب الـعـلـيـلــــــــــــــــــــــــــــــــــي وإذا تأملنا في شعر كميدش بن نعمان نجد عمقا في توظيف الرياح من خلال ربطها ودمجها مع مشاعر الغزل، وإشراكها في رسم صورة للمحبوب، متخذا أنماطا بديعة في بناء الجمل : ) 6 ( والأنساق فيقول
عائشة الغيص الرياح هي ذاك الهواء والنسيم الجميل الذي سخره الله للإنسان، تتحرك به السحب والأمزان ما بين السماء والأرض، فت ُُسقى بسببه الحياة والأحياء والزروع، فتستبشر به الأرض ِي ََاحََ �ِّ وتنتعش معه الكائنات، قال تعالى: (اللََّه الََّذِِي يُُرْْس ِِل الر فََتُُثِِير س ََح ََابا فَيََبْْس ُُط ُُه فِِي الس ََّمََاء كََيْْف يََش ََاء وََيََج ْْعََلُُه كِِس ََفًًا فََتََرََى الْْوََدْْق يََخْْرُُج مِِن خِِالَاِلِه فََإِِذََا أََص ََاب بِِه مََن يََش ََاء مِِن عِِبََادِِه إِِذََاهُُم يََس ْْتََبْْش ِِرُُون ََ،وََإِِن كََانُُوامِِن قََبْْل أََن يُُنََزََّل عََلََيْْهِِم مِِن قََبْْلِِه لََمُُبْْلِِس ِِينَ، فََانْْظُُر إِِلََى آثََار رََحْْمََت اللََّه كََيْْف يُُحيْْي ِ ش ََي ْْءٍٍ �ِّ َرْْض بََعْْد مََوْْتِِهََا إِِن ذََلِِك لََمُُح ْْيي الْْمََوْْتََى وََهُُو عََلََى كُُل �َ ال ْأ .50 - 48 قََد ِِيرٌٌ) الروم: الآيات: ومن هنا سعى الشعراء في العصور القديمة إلى مخاطبة الرياح والتفنن في توظيفها رمزيا ًً، ومحاورتها في صورمجازية، فكانت الرياح في خلد الشاعر الجاهلي سببا في طمس آثار المحبوبة، وإعفاء معالم الذكريات حين يمر الشاعر على : ) 1 ( ِِالأطلال، يقول عنترة بن شداد ََـــــــــــت آثــــــارََه ريح الش ََمــــــــــــــــــــال ل ِِم ََن ط ََل ََل ب ِِوادي الر ََمل بالــــــــــــي م ََح و ََق ََفت ب ِِه و ََد ََمعي م ِِــــــن ج ُُفونـــــــي ي ََفيــــــض ع ََلى م ََغانيه الخ ََوالي والشعر النبطي كغيره من الشعر هو واحد من المخاطبات الشع يبة الملتصقة بذائقة وثقافة الإنسان وال يبئة التي يعيش فيها، برز فيه خيال الشاعر وإبداعه، في تمكين نصه الشعري وتع يبراته المجازية في محاورات الرياح ونداءاتها بأساليب غاية في الروعة والجمال. نداء الرياح.. عشق الشاعر الإماراتي: لم يعد نداء الرياح في استهلال القصائد النبطية ظاهرة فنية فحسب لدى الشاعر الإماراتي، بل صار عشقا أزليًاً، يسعى الشاعر من خلاله إلى بناء ذلك المطلع الاستهلالي بإشراك الرياح بشتى أنواعها، موظفا لها في أبعاد رمزية ذات جمال، فكان من الط يبعي أن نجد أسماء الرياح مضمنة بجمالها وقوتها ومواسمها في الشعر النبطي، فسعى الشعراء إلى تخليدها في كلماتهم الإبداعية، ومن ذلك قول الشاعر مانع سعيد العت بية : ) 2 ( مستهلا قصيدته يا هبوب الكوس
لــــــــــــــــــــــــــــــــه في قلبــــــــــــــــي مراســــــــــــــــــــــــــــــــم مــــــــالي غيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــره لزيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم ََّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم بالنســيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم خــــــــــــــــــد ّّه ورد المـــواســــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم يتبس وقد أجاد الشاعرفي وصف هذا النسيم في أسلوب متجانس، في قوله (النسيم الناسم) حيث الأولى مسمى للنسيم، والثانية حركة النسيم وما فيه من تفاعل ونشاط وحيوية، فكلمة ناسم على وزن فاعل، ولها أكثر من دلالة وإيحاء، فالرائحة والعليل، والطلاقة الخلابة والفضاء الحيوي المنعش الذي يريح النفس بهذا النسيم الناسم. ونجد لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم - حفظه الله - وصفا بارع الجمال وفذ : ) 9 ( الأسلوب، في مخاطبته لنسيم البر وشرتا الجنوب، فيقول يا نسيم البر يا شرتا الجنــــــوب بلّّغ المحـــــبوب خبــــــــــــــــري والأمل ّّـــــــــــــــــــــــــــــهل لي عليه القلب مشتاق طروب يشبـــــــه الآرام غزلان الس قايد أريام المها فالي عــــــــزوب في الكفايف بين سيحه والرّّمل والشاعر في الأبيات يخاطب نوعين من الرياح (نسيم البّرّ) و(شرتا الجنــــــوب) المحملتين بالندى والحب والسلام للمحبوب. وللشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّّـب الله ثراه - استهلال : ) 10 ( جميل في نداء النسيم، حين هبوبه، فيقول يا نسيم هــــــــــــــــــــــــــــــــــــب جدواكــــــــــــــــــم اسهــــــــــــــــــر عيوني بطاريكـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم وفي قصيدة أخرى للشيخ زايد بن سلطان - رحمه الله تعالى - : ) 11 ( يطلق التحية والترحيب ويحيي بنسيم الشرق، فيقول
حالي ش ََرى ع ُُود تََلو ّّى بالعطش واخ ِِريبس ورْْكون زََه ْْرْْه تْْه ََش ََّمت ت ِِذ ْْراه نسمات النسيــم الناسمـــه ويطيرلي ش ََرتا السهيلي ذ ََعذعت وفي قصيدة الشاعر خلفان بن مترف نجد الشعور الوجداني : ) 7 ( الفياض يبرز في ندائه لرياح الكوس والنسناس، فيقول يــــــــــــــــــــــــــــــــا كوس يـــــــــا نسناســـــــــــــــــــــــــــــــــه يا مََميّّلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه الأغــــــــــــــــــــــــــــــــصان هاتـــــــــــــــــــــي النبــــــــــــــــا من راســــــــــــــــــــــــــــــــه كانــــــــــــــــــــــــــــــــه صـــــــــــــــــــــح البيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــان وهذا الخطاب في النص لريح الكوس خطاب مجازي، وقد صنع به صورة حركية حية، فيطلب الشاعر من رياح الكوس أن تأتي له بال يبان وبالخبر الصحيح، ويوصيها أن تكتم الخبر عن جلاسه إن كثروا في المجلس، وأن تكتم الخبر ولا تذيعه، وهو أسلوب فريد شيق، وتصوير دقيق لتلك المعاني. أنواع الرياح في القصيدة النبطية: وظهرت الرياح لدى الشاعر الإماراتي في قصيدته النبطية بأسمائها وأنماطها المتنوعة، ومنها: رياح النسيم: وهي رياح لطيفة تحمل روائح منعشة وعطوار ينتشي معها القلب، ونراها في قصيدة للشاعر مانع سعيد العت بية (هب : ) 8 ( النسيم الناسم) هــــــــــــب النســــــــــــــــــــــــــــــــيم الناســـــــــــــــــــــــــم او ذكـــــرنــــــــــــــــــــــــــــــي بالنديــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم خــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل جميــــــــــــــــــــــــــــــــل باســــــــــــــــــــــم باهــــــــــــــــي وصفــــــــــــــــــــــــــــــــه عديــــــــــــــــــــــــــــــــم
95
94
2024 يونيو 296 / العدد
مخاطبة الرياح في القصيدة النبطية الإماراتية
Made with FlippingBook Online newsletter maker