torath 306 - APRIL_2025

عندما تجاوز الفجوة.. يصبح العقل أداة النجاة إضاءة

الحديثة قررت أن تبدأ من حيث انتهى الآخرون، فتعلمت ودرست وأيقنت أين انتهوا وأكملت المسيرة لا هم ابتعدوا عن الدين ولا اقتربوا منه. الدين يعطيك الخلاص الفردي والروحي، ويؤمن لك علاقة إيمانية يقينية روحية متسامية مع الله - سبحانه وتعالى - ليضمن لك حياة فيها من السكينة الروحية والقيم الأخلاقية والسلوكية الإنسانية التي تمنحك الطاقة لتشغيل العقل كي تكون منتجا عوضا من أن تكون مستهلكًاً، والدين يضمن لك ما بعد الحياة أين ستكون. لكن ليس من أجل ما بعد الموت نترك ما قبل الموت. تقدم الأمم لا يعتمد على مدى قربها أو بعدها عن الدين، بل على مدى احترامها للعقل والعلم كأدوات لبناء الحضارة. الدول التي تفوقت لم تطرح سؤال القرب أو البُُعد عن الدين كمعضلة، بل ركزت على سؤال أكثرجوهرية: كيف ننتج ونبني مستقبلا أفضل؟ إن الفجوة الحضارية يمكن تجاوزها إذا وضعنا العقل والعلم في صدارة اهتماماتنا، وتعلمنا من تجارب الدول التي بدأت من حيث انتهى الآخرون. الطريق واضح أمامنا وعلينا أن نختار طريق العقل تابعا أم متبوعا

الدين، ولكن بالعقل والمعرفة. والآن يأتي السؤال هذا حالُُنا فما حال بقية الدول المستهلكة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا وهي ذات ديانات مختلفة ما بين سماوية وأرضية، وما سبب تخل ّّفهم هل هو الابتعاد عن الدين أو التمسك به أيضاًً؟! ماذا عن علاقة الدول المنتجة بالدين والتدين بعضها مبتعد تماما عن الدين، وتتعرض لحالة من التآكل الأخلاقي والقيمي والتحولات البعيدة تماما عن الدين وبعضها لم يتخل عن قيمه الأخلاقية والسلوكية التي منبعها الدين، فعلى سبيل المثال فرنسا تمارس علمانية من وجهة نظري أنها علمانية متطرفة، ورغم ذلك فرنسا دولة منتجة ومثلها دول أوروبا وأمريكا، وعلى الجانب الآخر سنجد اليابان لم تتخل عن تراثها أو معتقداتها لتلحق بركب الحضارة. بل درست العالم، عرفت أين توقف الآخرون، وأكملت المسيرة. والصين التي لم تتخل عن عقائدها الدينية والقيمية الموروثة أيضاًً، وتمارس علمانية منضبطة من وجهة نظري وغيرها الكثير. الدول المنتجة لم يكن السؤال لديهم: هل نقترب من الدين، أو نبتعد عنه حتى نتطور؟ بل كان: كيف ننتج ونسهم في بناء عالم أكثر تطو ارًً؟ الدول المستهلكة تخلفت ليس لأنها أهملت الدين، أو اقتربت منه، بل لأنها أهملت العقل، وسلمته للخرافة تتحك ّّم فيه حتى هذه الأيام ستجد في مجتمعاتنا مََن لا يزال يؤمن بالسحر والشعوذة والأعمال والتفاؤل والتشاؤم من حذاء مقلوب أو مقص مفتوح أو غيرها من تلك الخرافات الشعبية التي ما زلنا حين نفشل في تعليلها أو تحليلها نقول إنها إرادة الله، ونلقي بفشلنا على إرادة الله، دون أن نرهق أنفسنا في التفكير بالعقل أو التفكير فيما أخطأنا به وتسبب في هذا الفشل، نحتسي خمرالتسليم بأسباب علوية قهرية ليس لنا فيها إرادة، دون أن نرتدي نظارة الوعي في دراسة ما الأسباب التي وصلت بنا إلى الإخفاق. سموا الأشياء بحقيقتها بالقرب من الدين أو في البُُعد عن الدين لن تتطور المجتمعات أو تتخلف، ولكن ببعدها عن الأخذ بالأسباب العلمية وتنمية العقل وبناء نموذج عقلي مُُنتََم لواقعه ومؤمن بضرورة تغييره من خلال العلم والمعرفة منتجاًً، وليس مستهلك ًاً، اليابان حين قررت أن تدخل الحضارة

العالم المعاصر يمكن أن نقس ّّم الدول إلى قسمين في رئيسيين، الأول: هي الدول المنتجة للعلم والمعرفة والتكنولوجيا. والقسم الثاني: هي الدول المستهلكة لها وما بينهما فجوة عميقة ومسافة من السنوات الحضارية، ورغم أن هذا التقسيم، وتلك الفجوة تبدو أنها ليست بالجديدة، فإن البحث وراء تلك الفجوة يطرح علينا مجموعة من التساؤلات المهمة، ومنها لماذا نجح بعضهم في التحول من الدول المستهلكة إلى الدول المنتجة، في حين فشل الآخرون؟ ولماذا حتى الآن نلقي اللوم في مجتمعاتنا العربية على ابتعادنا عن الدين، وفريق يلقي اللوم على تمسكنا بالدين وعدم التحول ناحية العلمانية والحقيقة ضائعة ما بين الفريقين؟! حين ننظر نظرة أفقية واسعة للعالم سنجد الدول المنتجة تضمن في غالبيتها أوروبا وأمريكا والصين واليابان وكوريا، وهي دول عملت على تطوير العلوم، وتُُعظ ّّم قيمة البحث العلمي والإنتاج المعرفي والمساهمة الفاعلة في إنتاج مقومات التطور التكنولوجي ما أعطاها القدرة على امتلاك القدرات الإعلامية عبر المنصات المختلفة وخاصة شبكات التواصل الاجتماعي، فأصبحت تنتج وتتحكم. على الجانب الآخرسنجد بقية دول العالم التي تعيش على استهلاك العلوم والمعرفة والتكنولوجيا التي تنتجها دول المجموعة الأولى، وقد نجد بعض الدول المستهلكة تنتقل في المنطقة الرمادية ما بين العالمين وتحاول الخروج من الدول المستهلكة إلى خانة الدول المنتجة منها على سبيل المثال لا الحصر: الهند، والإمارات، وراوندا، وفيتنام، والبرازيل. في مجتمعاتنا يروّّج الكثيرون لمفهومين الواحد منهما أسوأ من الآخر حيث يتم ربط العلاقة ما بين الدين والمجتمع ونظرية المؤامرة كمفهومين ألقوا عليهما الفشل في الانتقال إلى معسكر الدول المنتجة. صوت في خلفية المجتمع ينادي (تخلفنا؛ لأننا ابتعدنا عن الدين) والجانب الآخر صوت ينادي (تخلفنا؛ لأننا تمسكنا

شريف مصطفى محمد كاتب مصري

بالدين في كل شيء)، في ظل هذا الصراع نجد أننا صرعى بين الصوتين. وبمراجعة تاريخية لعصور الازدهار الحضاري للمسلمين نجد أن التقدم الحضاري في حينها جاء نتيجة اهتمام الخلفاء والحكّّام بترجمة العلوم والفلسفات من الحضارات السابقة؛ ما أسهم في التغذية المعرفية التي بنى عليها، وطور علماء تلك الحقبة التاريخية الكثير من العلوم والإنجازات وحين نتأمل في منتجات علماء المسلمين الذي أسهموا في الإنتاج المعرفي والعلمي والفكري، مثل: ابن الهيثم، وجابر بن حيان، وأبو بكر الرازي، وابن خلدون، وابن سينا، والخوارزمي، وابن رشد، والغزالي، والقائمة تطول، كان متكؤهم الحقيقي ليس القرب أو البُُعد عن الدين، لكن كان اتكاؤهم على العقل والتجربة كمصدر للمعرفة والعلم. ودعم الحكّّام في بعض فترات حياتهم كانت داعما لهم في تحقيق علومهم، في تلك العصور ولا يمكن أن نتجاوز عمّّا تعرض له الكثيرمن العلماء من اتهامات بالزندقة والإلحاد من بعض معاصريهم أيضاًً، بسبب تركيزهم على المنهج العقلي واعتمادهم على التجريب عوضا عن التفسيرات التقليدية التي اعتمدت على النصوص فقط، واتباعهم مبدأ الشك للوصول إلى الحقيقة ومحاولاتهم تفسير بعض الظواهر الطبيعية بعيدا عن التفسيرات الدينية. ورغم ذلك نجحوا في ترك بصمة حقيقية في العلوم والفكر ليس بالبعد أو القرب من

101 2025 أبريل 306 / العدد

100 تجاوز الفجوة.. عندما يصبح العقل أداة النجاة

Made with FlippingBook - Online catalogs