لغة الضاد
حمزة قناوي عصرنا الحديث غزت اللغات ذات الحيوية التكنولوجية - والإنجليزية على رأسها - أكثر فأكثر وسائل الإعلام في المرئي والمسموع؛ ومدارسنا ومعاهدنا التعليمية ومؤسساتنا المعرفية، وكثرت المفردات والتعبيرات الإنجليزية والعامية في الاستعمال اللغوي، وباتت الأدوات اللغوية المستخدمة اليوم تشكّّل مزيجا هجينا بين العامية والإنجليزية والفصحى، وهنا تكمن أزمة لغتنا العربية في الاستخدام المعاصر. فإن «موت اللغة يحدث عندما يهتم المرء بتحدث لغة أخرى لكونه Charles Kieffer وفي رأي عالم اللغويات تشارلز كيفر يجد أنها أكثر فائدة له اقتصاديا وفكرياًً، حيث إن ذلك سيدفعه لأن يصبح إنسانا آخر، في سعيه لإيجاد فرصة عيش أفضل، ومن هنا فالدفاع عن اللغة من منطلق إثني هو نوع من العبث، إذ ستتحول اللغة بمضي الوقت إلى (فولكلورقديم . ) 1 ( الطراز)» إن هذه العملية تمثل خطورة على استمرار اللغة العربية، ولها تأثيراتها على الهوية والشخصية، «ومع الحداثة المستمرة، وظهورالعولمة زاد هذا الخطر، وأصبح بعضهم يحذرمن خطر«موت اللغة»، وهي ظاهرة حديثة، إذ في السابق كانت هناك لغات ميتة، ماتت بموت أهلها واختفائهم، كاللغات الآرامية والسيريانية وحتى اللاتينية القديمة، لكن الآن هناك خطر أن . ) 2 ( تموت بعض اللغات رغم وجود أهلها أحياء، ويأتي هذا الموت لصالح لغات أخرى» » العربية « موت اللغة.. وحياة
الله، أحب رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ومن أحب محمد أحب العرب، ومن أحب العرب أحب العربية، عني بها . ) 3 ( وثابر عليها وصرف همته إليها» ومن ثم فإن وظائف اللغة ليست مجرد التواصل فقط، وإنما تحمل بداخلها وظائف أخرى من حضارية وشعورية وتاريخية وقيمية وغيرها من الوظائف، وكل هذا يصبح مهددا عندما يتوق ََّف أهل اللغة عن التحد ُُّث بها؛ وتتعرض للخطر والتهديد عندما تتسرُُّب بعض الكلمات الدخيلة من لغات أخرى إلى اللغة الأصلية، وهذا التسرب بخلاف مثيله الذي يتم عن السعة والقوة، وإنما عن الضعف؛ فتحتاج اللغة إلى ألفاظ من غيرها لكي تؤدي مهمتها التعبيرية، وإذا ما كثرت هذه الألفاظ هددت اللغة الأم، وأحيانا عند احتكاك اللغات بعضها ببعض، ينشأ ما يُُسمّّى باللغة الوسيطة، وهي: «أي لغة أخرى غير العربية، يستعملها المعلم في إكساب المتعلم، مهارات استعمال اللغة العربية، وسميت باللغة العربية الوسيطة، لأنها تتوسط بين المعلم والمتعلم من أجل أن يفهم المتعلم ما يقوله المعلم. ولا بأس إذا كانت هذه اللغة لتعليم غير العرب، لكن ثمة خطورة عندما يتم تقبلها، وتحتل هذه اللغة
فموت اللغة «موضوع فرضته علينا العولمة في إطار محاولة الكيانات الكبيرة فرض لغتها على الآخر، وابتلاع كيانات صغيرة واستلاب هويتها اللغوية والثقافية، فأصبحت لغات كبيرة مهددة بالزوال والاندثار»، الذي عرف في المعاجم العربية بالقول: عرفت بيوت القرية اندثاارًً: أي اختفاء، ولم يبق لها أثر. ومن ثم فمتى ترك الناس استعمال اللغة العربية الفصيحة السليمة، ومتى تعرضت لإهمال شديد، فإن ذلك يمثل خط ار كبي ار يجدر الانتباه إليه، إن علماء اللغة ينظرون إلى اللغة بوصفها صاحبة وظائف متنوعة، وإذا حدث خلل في تحقيق هذه الوظائف كان ذلك مؤش ار يجدر الانتباه إليه. إن اللغة من أعظم نعم الله التي أنعم بها على الإنسان ليتواصل مع الآخرين، ويفصح عن أفكاره وعواطفه، وبذلك اكتسبت الحياة سمة المشاركة والتفاعل والتواصل بفضل اللغة. حيث عنيت الأمم بتعلم لغاتها وتعليمها باعتبارها واجهة حضارية وفكرية. وقد اهتم العرب بلغتهم تعلما وتعليماًً، فعمدوا إلى نشرها، وحمايتها من التحديات الحضارية التي تحاول إضعافها والنيل منها. فالاهتمام باللغة العربية ونشرها وتيسيرسبل تعلمها واجب، وفي هذا يقول الثعالبي: «من أحب
105
104
2025 أبريل 306 / العدد
موت اللغة.. وحياة «العربية»
Made with FlippingBook - Online catalogs