torath 306 - APRIL_2025

إضاءة

الباب والقفل والخوف

فينفتح الباب. لكن هذه التقنية الخشبية التي استخدمت في الحضارة الفرعونية، كان في المقابل تطور آخر وصل في تلك الحضارات القديمة إلى صناعة أقفال ومزاليج من معادن حتى وصلنا إلى شكل القفل المعدني والمفتاح، ومع تطور الحياة والتقنيات والصناعات وصلنا إلى الأشكال الحالية لطريقة قفل الأبواب. ويبقى السؤال الذي هدفنا: لماذا الإغلاق ولماذا تأمين الإغلاق؟ إنه ببساطة الخوف، والخوف شيء فطري في السلوك البشري، كانت بداية الإنسان الخوف من الطبيعة كونه لا يفهم ظواهرها، والخوف من الحيوان لأنه لم يكن قد عرف كيف يتعامل معه بعد.. ولكن مع التطور الإنساني والحضاري في الكون، وارتقاء الإنسان لأعلى مراتب العلم والسيطرة على الحياة بأدوات تقنية وغيرها، تحول الإنسان من الخوف من الطبيعة والحيوان إلى الخوف من بني جنسه من الإنسان الآخرفي محيطه، وأصبح الإغلاق أساسه الخوف من الإنسان الذي يحاول التلصص وسرقة متاع الآخرين. وما زلنا نتذكر في ماضينا سواء في ريفنا العربي أو حتى في المدن العربية القديمة، كيف كانت البيوت متلاصقة والأبواب قرب الأبواب، والجميع في المكان جيران وأهل وأقارب، ولذلك كانت الأبواب مشرعة ومفتوحة لا تغلق طوال الوقت. تسعى المناهج الوطنية في الإمارات إلى دمج أدباء الدولة في المقررات الدراسية، مما يعزز ارتباط الأجيال الجديدة بتراثهم المحلي ويحفز الأديب المحلي. في هذا السياق، يتم مراعاة التوازن بين الأدب العربي القديم والحديث، حيث

إلى الإنسان بعمومية لتتبع رحلة الباب وصناعته، بالتأكيد لما تطورت الأدوات وتقدمت الحضارة، استطاع أن يهندس المباني المتكونة من جدر وأخشاب ومواد موجودة في البيئة مثل الحجارة والأشجار، ولما تطور أكثر بدا يصنع الطوب من التراب والطين، ورويدا رويدا تطورت الأبنية واحتاج الإنسان إلى الباب كي يسد الفراغ حماية للمبنى وحماية له ولمتاعه من الآخرين وعيون الآخرين. لكن تصور معنى أن هذا الباب مهما كانت قوته هو بلا أداة للإغلاق، فكيف سيواري خوفه على نفسه وعلى ممتلكاته، ممكن أن نتخيل في البداية أنه كانت هناك حراسة بشرية دائمة على الباب، وكأن هذه الحراسة هي المزلاج الذي سيدعم الباب في مواجهة الآخرين.. هو مجرد احتمال ومجرد تخيل، لكن التطورالبشري يتسارع، ففكرفي حيلة يغلق بها الباب بدلا من عمل نوبات حراسة مثلاًً، ولذا فإنه من الثابت أن الإغلاق في أبنية الحضارات القديمة بدأ باستخدام مزاليق خشبية كبيرة، وتطور شكلها من حضارة إلى آخرى، قبل التعرف إلى المعادن كالحديد والنحاس في مفاتيح ومزاليج الأبواب، ففي مصر الحضارة الفرعونية، وفي العراق في الحضارة البابلية، وفي اليونان قبل الميلاد بقرون بعيدة أيضا تم العثور على أشكال متعددة لمزاليج وأقفال بدأت من الخشب وتأخذ أشكالا بدائية، ثم اكتملت بحراك ميكانيكي، أي هناك ضبة ومفتاح. وأعتقد أن هذا الشكل من أشكال التطور لقفل الباب هو صناعة فرعونية، كان مستخدما في أبواب الدور

معي كيف كان حال الإنسان قبل اختراع الباب تخيل أو الاهتداء إليه، أو قبل تأسيس عمارة المنازل مثلاًً.. حينما بدأ الإنسان يسكن الأكواخ أو الكهوف، أو مستغلا فتحة في جبل أو ما شابه، بالتأكيد كان هناك خوف ممن حوله والمجهول والحيوانات الضارية، ولا تستطيع أن تتخيل كيف كان الصراع ضد اعتداءات الحيوانات، ولاحقا سنفترض عدوان البشر، الإنسان، صاحب الحاجة، مثلا ممكن أن تتخيل أن الإنسان كان يحاول إغلاق فتحات الكهوف وما شابهها بأدوات من البيئة المحيطة كفروع الأشجار والحجارة، لأن الخوف سيجعله يفكرفي طريقة أمانه وكيف يحمي نفسه من الضواري وأي أخطار محتملة. إذا التصور الأول للباب في طفولة البشرية الأولى أنه أحجار وأشجار.. ولما تقدم الإنسان وتطورت أدواته وأصبحت حياته داخل أبنية وعمارة حتى لو كانت عمارة بسيطة، فكر وابتكر أنه لا بد لها من مدخل وجدران يستتربها أو خلفها، وفوهة لهذا البناء البسيط، الذي ربما هو من فروع الشجر وجذوعها فكان لابد من أن يقيم الجدران والسقف للحماية من عوامل الطبيعة كالشمس والبرد والمطر والريح، ولا بد لهذه الفوهة للكوخ أو المنزل البسيط أن تغلق أيضا فكان اختراع الباب، وبالتأكيد اهتدى إليه الإنسان في طفولته الأولى كي تكتمل الحماية والستر. وبإمعان النظر والشيء بالشيء يستدعي تأمل البيوت الأولى في الإمارات في الزمن الأول وقبل مئتي عام مثلا قبل الآن، إن البيت كان من العريش، وكان يسمى بيت العريش، ولأن البيئة فقيرة نظ ار إلى درجات الحرارة العالية واتساع رقعة الرمل التي تغطي معظم الجغرافيا، فكانت النخلة هي الأساس للحياة والبنيان من جذوعها وسعفها وجريدها تتم صناعة الأشياء الضرورية للحياة، حتى الفراش وأدوات الجلوس وجدران العريش وسقفه، ويصنع للعريش باب من جريد النخل نفسه أيضاًً، ويراعى في المكان متطلبات الحياة الأخرى كالمطبخ وأماكن إعداد الأكل وغيرها.. وكذلك كان يراعى أن الساكن

عبد الفتاح صبري روائي وناقد مصري

القريب في عريش آخر هو من الأسرة، أب، أخ وهكذا أي إنهم من أسرة واحدة تتقارب للحماية والاستئناس. هذا العريش الواهي أمام أي قوة كان صامدا بضمان حماية القيم والتقاليد، فلا يجرؤ غريب أن يغشى المكان أو أن يدخل إليه، لأن من العادات والتقاليد ألا يقترب إنسان من بيت آخر، أو أن يوجد في مكان ليس من حقه الوجود فيه.. هذه القيم والتقاليد كانت صيانة وحماية لباب واه من سعف النخيل، ولكنه في الحالات كلها كان قاد ار على الستروالحماية المادية والمعنوية والضمان، كانت التقاليد العظيمة في أن الجار يحمي الجار ولا يتلصص ولا يقترب، كما أنه لا يحق السكن في الجوار سوى للقريب جدا أيضا ًً. ولما تقدمت الحياة وبدأ الإنسان هنا في الإمارات البحث في إقامة مساكن قوية وذات شكل هندسي يتماشى مع التطور والسكن في المدن الساحلية بعيدا عن الصحراء، بدأ يفكر في حجارة يقيم بها هذه الجدر للبنايات المحد ّّثة، ولما كانت البيئة الجغرافية فقيرة اتجه للبحر فخلع حجارة وصخور البحر الموجودة على الشواطئ وبنى بها هذه المباني الحديثة، واتخذ من جذوع النخل اتكاءات للسقف الذي سيغطيه أيضا بجريد وسعف، إلى أن عرف استيراد الأخشاب من الهند مثلاًً، وأصبحت السقوف من خشب وألواح قادمة من خارج الوطن، وأصبح للبيوت أبواب من الخشب المستورد نفسه. وإذا ما عدنا

يتم تضمين نصوص متنوعة من الأدباء المحليين والعرب، مع التركيز على التوازن بين الشعر والنثر والذكور والإناث. ويهدف ذلك إلى ترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز دور الإمارات في الثقافة والحفاظ على التراث الوطني، ليكون الأدب الإماراتي جزءًًا أساسيًًا من المناهج التربوية. الباب والخوف والإغلاق ثلاثي مرتبط ببعضه، كلما زادت حالة الخوف اشتدت حاجتنا إلى الباب وحص ّّناه ودعمناه بالقفل والمزلاج والإغلاق

في ريف مصرحتى عهد قريب، وكان يتشكل نظام الإغلاق من خلال جزء ثابت في الباب الرئيسي كغلاف لآخر يتحرك باتجاه الحائط الذي يغلق فيه الباب، فتسقط أسنان في فتحات في هذا الجزء المتحرك وبالتالي يغلق، لكن كيف الفتح هناك مفتاح، مجرد خشبة، يأخذ انحناء معينا وبه أسنان تدخل في تجويف هذا الجزء المتحرك وتضغط للأعلى، فتصطدم هذه الأسنان بالأسنان التي باتت في الجزء المتحرك فترفعها وتتم زحزحة الجزء المتحرك بالاتجاه المعاكس

59 2025 أبريل 306 / العدد

58 الباب والقفل والخوف

Made with FlippingBook - Online catalogs