ارتياد الآفاق
أوّّل نشر لهذه الأناشيد كان باللغة الإسبانية الأعجمية بواسطة الباحثين «خل إي خل» و»ريبيرا سانشيث»، وبعدها قام «خل إي خل» بترجمتها إلى الإسبانية ونشرها منفردا في م. وأصول»المخطوط» الكتاب 1890 مجلة «الأرشيف» عام الخطية موجودة في مكتبة تطوان في المملكة المغربية. يرجع الفضل في إبراز الرحلة حديثا إلى المؤرخ «ماريانو دي بانو إي رواتا» الذي قد ّّم رواية شاملة عن تلك الرحلة، بما في ذلك التفاصيل الثقافية والدينية والاجتماعية التي مر بها الحجاج في ذلك الزمن، وهو باحث إسباني متخصص في تاريخ الأندلس والموريسكيين، خاصة فترة ما بعد سقوط غرناطة والطرد القسري، رك ّّزماريانو على فحص المخطوطات وقد نشرها ) 4 ( والوثائق التي تسهم في فهم تجربة الموريسكيين م)، وصدر الكتاب مطبوعا 1897 بحرف لاتيني (سرقسطة باللغة العربية عن دار الفيصل الثقافية بترجمة الدكتور عبد م، 2003 الله أجبيلو ومراجعة عبد الله العميرفي الرياض عام صفحة. 152 ويقع في مسار الرحلة وتاريخها كيلو مترات جنوب الحاضرة القديمة التي يطلق 6 على بعد عليها اليوم مدينة مونثون، وباتجاه وادي ثينكا توجد قرية بوي دي سانتا كروث في سفح هضبة عالية، مباني القرية متواضعة، وقد أطلق عليها بوي دي موروس أي: بوي المسلمين، فقد كان يسكنها صنّّاع موريسكيون، وحول القرية قرى تحمل أسماء إسلامية منها: البلاطة، والقلعة، والمظفر. بمجرد خروجه من مدينته مونثون، التي تعمد عدم ذكرها،
المشرفة، والحجر الأسود، ويشربون من بئر زمزم، ويقفون عند مقام إبراهيم عليه السلام، قبل أن يواصلوا رحلتهم إلى جبل عرفات، وجبل منى، متمّّمين بذلك مناسك حجّّهم المبارك. لا يذكر الحاج مونثون تاريخا محددا لانطلاق رحلته؛ وقد تحرى التقية بشكل دقيق جداًً؛ حفاظا على نفسه وأهله ورفيق سفره، ولربما توصل الباحث الإسباني «بانو إي رواتا» م. 1603 إلى أن زمن الرحلة يكاد ينحصر في سنة من الرحلة الكعبة: «... كيف أحدثكم عن الكعبة، وعن جلالها العظيم، الذهب والفضة والثراء لا يعد ولا يحصى، ستار رائع من حرير
ابتدأ رحلته من مدينة بلنسية وانطلقت قافلة الحجيج بح ارًً، تشق البحر المتوسط متوجهة عبر الوديان، تارة في البر وتارة في البحر، عابرة القرى والمدن، حتى وصلت إلى ًًا جزيرة جربة الخضراء، وصلت قافلة الحجاج إلى تونس، مرور بمنطقة الحمّّامات، ثم عبرت القافلة مدينة هِِرقل، وسوسة، والمونستير، وخليج لا فورتونا، ومنه إلى محراقة، والمرسى، وبعد عبورهم هذه المناطق من المدن والخلجان والجزر، وصلت القافلة إلى مدينة الإسكندرية، من هناك، واصلوا طريقهم حتى دخلوا مدينة القاهرة، حيث تتجمّّع قوافل الحجيج من جميع أنحاء القارة الأفريقية التي تسلك طريق مصر، وحجاج الشام يلتحقون بهم. وأخيارًً، تصل القافلة إلى مكة المكرمة، بمشاهدها ومشاعرها المقدسة، الكعبة
مزركش بالفضة الرقيقة وباب يعلوه البهاء ومحاط به، ... كيف أحدثكم عن الصلاة التي يقيمها أئمة المذاهب الأربعة على التوالي، الشافعي من جهة العرب، أبوحنيفة في الوسط، مالك من جهة الشرق، ابن حنبل من جهة الشمال. ويوم الجمعة يؤم الناس الإمام الشافعي وبيده عصا، وتحيط به أتباع المذاهب الأخرى...». الوداع: «... يعلم الله حقيقة حزني عندما غادرت تلك الأراضي المباركة، وأنا أودع قبرالرسول - صلى الله عليه وسلم - ازداد شعوري بأن الحياة والموت سواء بعد هذا الأسف العميق. كما أسفت لعدم زيارتي للقدس، أقول بيت المقدس، البيت الذي كله نوروبركة وفضل كبير. والذي يصبو إليه كل العالم، فقد بلغ من الكمال أن المسلمين والمسيحيين يتوجهون إليه
71
70
2025 أبريل 306 / العدد
الرحلة السرية للموريسكي الأخير إلى الحجاز: أناشيد الحاج بوي مونثون في القرن السادس عشر
Made with FlippingBook - Online catalogs