تجليات شعراء الإمارات: الصحراء وثقافتها الجديدة في عهد الطفرة النفطية دراسات إماراتية
الحياة العصرية بدأت تدب في عروق الصحراء الهادئة وفوق رمالها الناعمة، وشيئا فشيئا تبدأ معالمها بالتلاشي، هذه الشوارع التي بدأت ترتسم معالمها في عمق الصحراء هي أشبه بأفاع سوداء تتلوى فوق الرمال الذهبية.. وربما يرى بعضهم أن الصحراء أجمل بهدوئها؛ حيث صفاء النفس والانعتاق من قيود المدينة وصخبها، وبعضهم يراها ميتة لا حياة فيها ولا حركة إلا من بعض الإبل التي ترعى هنا وهناك، وبعض الحيوانات الشاردة. إن الصحراء تبكي متألمة؛ فالشاحنات وآلات الحفر وشق الطرقات تحاصرها كل يوم وتبدد صفاءها وهدوءها وسكينتها، ولكن متطلبات الحياة الجديدة تقتضي التغيير والتطوير، وهذا يعني أن تطال الآلة عمق الصحراء وتجتث الكثير من معالمها، ومن حق الصحراء أن تبكي وتتألم وأن يبكي عليها أبناؤها، إنها تحمل عبق الماضي وذكرى الآباء والأجداد. إلا أن ثورة التحديث والتطوير تكاد تقتلع كل هذا الإرث التليد والماضي العريق، فعلى رمالها تقلّّب الآباء والأجداد، وعاشوا حلوها ومرّّها، وكانت لهم الحصن الحصين من نوائب الزمن، فباتت رمالها جزءا من تكوينهم وكينونتهم، ولكنها اليوم تتآكل شيئا فشيئاًً، فلم يََنج مكان فيها من آلة التطوير والبناء.. لقد حلّّت الأبنية والمصانع والمنشآت النفطية محل رمال الصحراء، ولم يعد هناك رمال يقف عليها العشاق والمحبون.. يقول أحمد المدني: ََـــــــب الـــر ََّمل عن أ ََم ْْس ِِنا الذي ُُســـــــــــــــََــــيُُـنبيك ح ِِـــــــــــــــــق ثـــــــََـــــــــــو ََى فـــــــــي ح ََنـايــــــــــــــــاه لو الـــــــــــر ََّمل يـََـنط ََّـــــــــى ل ِِعـــــــــــــــــــاشـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــق ح ََن ََانـــــــــــــك لا رمــــــــل ت ََب ََق
انحسار معالم الصحراء بفعل زحف آلة العمران والتحديث إن زحف يد الحضارة الحديثة غي ّّرمعالم المكان في الإمارات، ولم ينج من هذا الزحف الهادر أي م ََعل ََم من معالم حياة الآباء والأجداد، فقد طالت آلة العمران عمق الصحراء وأشجار النخيل ومياه البحر، وعمق القرية والريف الهادئ، وحل محلََّها العمارات الحديثة والأبراج الشاهقة والمراكزالتجارية العصرية والمجمّّعات الاستهلاكية والمشافي والمدارس والمعاهد والجامعات، وغيرها الكثيرمن مرافق الحياة العصرية المتطورة. إن الآلة التي اقتحمت عذرية الصحراء وعك ّّرت صفوها ونقاءها وهدوءها، حوّّلتها من حال إلى حال، فشقّّت فيها الطرق المعبدة، وفتحت فيها المصانع والمعامل، وحلّّت السيارات ووسائل النقل والشاحنات فيها محل الإبل والمواشي، وراحت هذه الصحراء تئن تحت وطأة زحف الآلة ومعالم الحياة الجديدة، ها هو حبيب الصايغ يصورامتداد الشوارع المعب ّّدة
قتيبة أحمد المقطرن ظهور النفط وقفت الإمارات على أعتاب عصر جديد من التحديث والتطوير، وبالتالي فإن التغيرات التي طرأت مع على المكان كانت نتيجة طبيعية وحتمية لعهد الطفرة النفطية، وكان هذا العطاء نتيجة عهد طويل من القحط والجفاف الذي عاشه أبناء الإمارات. ومع ظهور النفط تغي ّّرت حياة الناس من واقع صعب خشن معطياته البحر والصحراء والزراعة البدائية، إلى واقع متطور تحكمه الآلة ووسائل الحياة العصرية. إن ظهور النفط في الإمارات أحدث انقلابا جذ ير ّّا أصاب المنطقة بر َّمَتها، وبدأ معه عهد جديد من التطور في المجالات كلها، رافقته تغييرات جذرية في الوعي، وانحسرت معه معالم الحياة القديمة، من العمل في الغوص بحثا عن اللؤلؤ، إلى الغوص بحثا عن الذهب الأسود.
في عمق الصحراء يقول: تمتد إلى قلب الصحراء فتجري دوترُُه الدموية تلك شوارع من إسفلت ِِتِِلك ُُم أضواءٌٌ.. أشجارٌٌ.. ج ُُثث الص ُُّحف اليومية ِِأعباء المعيشة تََعََب العمال ) 1 ( هدير السيارات
الصحراء تشهد نوعا جديدا من الحياة لم تألفه من قبل؛ حيث الصخب وهدير السيارات والشاحنات والأضواء.. معالم
91
90
2025 أبريل 306 / العدد
تجليات شعراء الإمارات: الصحراء وثقافتها الجديدة في عهد الطفرة النفطية
Made with FlippingBook - Online catalogs