دراسات إماراتية
ِــــــــيـــــن يُُشـــــــــــــــــــــــرُق �ِّ
ًًيـــــــــــناجـــــــــــــــــــي ولا بََـــــــــــــــد ْْر المــــــــحبـــــــــ فقــــــــــــــــــــــد نََهضــــت مــنهــــــــــا القصــــــور شوامـــِِـــــــــــــخا
إن عجلة التحديث والإعمارتدوربسرعة هائلة، وفي المستقبل القريب قد لا يتبق ّّى مكان على طبيعته الب ِِكر يجد فيه المرء متسعا للترويح عن نفسه، أو لحظة تأم ُُّل بعيدا عن ضوضاء المدينة وهدير السيارات. وفي عمق الصحراء تئن شجيرات النخيل التي حاصرتها أنابيب النفط وحقوله وآلاته، وأيقظتها من هدوئها وسكينتها، وراحت تجتث معالمها وجذورها، وها هو الشاعر إبراهيم الهاشمي يتألم لحالها فيقول: ُُّولََكِِن نُُخيلات بصحرائنا تََئِِن ُُّ.. تََئِِن ٌٌفََقََد حاصرََها النّّفط والهمهمات ُُدمعة ِِرََه ََق هوالع ُُمر يا مطر الصيف السماء لم تََعُُد فوقََنََا
) 2 (ُُ ي ُُحـــــــــــــــيط بها ضـــــــــــــــــــــــــوء الن ّّيــــــــــــــــون وي ُُحـــــــــــــد ِِق رمال الصحراء تلاشت أمام زحف آلة العمران، فما كان بالأمس رمالا بات اليوم أبراجا شاهقة وقصوار شامخة، واختلفت حياة العشاق وبات من الصعب على العشاق اليوم أن يجدوا الأماكن الشاعرية التي يتبادلون فيها أحاديث الحب مع محبوباتهم.. الصحراء حزينة تبكي حالها وحال العشاق الذين كتبوا على رمالها قصائد حبهم.. إن حزن الصحراء بات لمسة جمالية حزينة في هذا المكان، حتى البدر لم يعد يشرق في هذا المكان الذي اصطفّّت فيه العمارات الشاهقة التي سد ّّت كل منافذ الجمال الطبيعي ونوافذ الحب، ويبدو أن البدر لا يحلو منظره إلا في جو الصحراء، ويتلاشى جماله ونوره في المدينة وبين الأبنية، فهو حزين لحزن الصحراء ويتألم لألمها.. ومن خلال هذه المقارنات التي يعقدها الشاعرتتبدى جماليات المكان ع ََب ْْر هذه الجدليات المتوترة: (رمال - قصور شوامخ)، و(بدر مشرق - نيون يحدق).. إن حلول المعطيات الصناعية محل المعطيات الطبيعية أََح ْْدََث ثورة هائلة في المكان، هذه الثورة هي صرخة في وجه الزحف والمد العمراني، وقد يجد بعضهم في هذا العمران حياة أفضل وسعادة أكبر، لكنها عند الرومانسيين قتل للمشاعر والأحاسيس وصفاء النفس، وتأتي الأفعال المضارعة لتوضح الحالة التي آلت إليها الصحراء (البدر لم يعد يناجي)، و(البدر لم يعد يشرق)، و(ضوء النيون يحيط ويحدق).
معطيات حياة الماضي؛ حيث الصحراء بنقائها ورمالها الذهبية والإبل وكل مظاهر الحياة القديمة، وإلى جوارها كل معالم الحياة الجديدة؛ حيث سيارات السباق الحديثة، والتجهيزات العصرية، ولم يعد كذلك سباق الهجن، الذي أصبحت الصحراء ميدانا لمهرجاناته السنوية، كما كان عند الآباء والأجداد أسلوبا من أساليب الدفاع عن البقاء والوجود في الصحراء؛ إضافة إلى أهميته في تكريس مفاهيم الشجاعة والصبروالتحم ّّل. كما انتعشت رياضة الصيد بالصقوروتألقت وازدهرت في صحراء الإمارات ولها عشاقها ومحبّّوها. إن هذه الثقافة الجديدة للصحراء تبلورت مع ظهور النفط، الذي استدعى بدوره وسائل ومعطيات جديدة للحياة في الإمارات بشكل عام، وللصحراء بشكل خاص. ولهذا لم تعد الصحراء ذلك المكان الرومانسي الجميل الذي يأوي إليه المرء للراحة والاستجمام، ولم تعد ذلك المكان الذي يلتقي العشاق فوق رماله الذهبية أيضا أكاديمي سوري الهوامش والمصادر: . ديوان (الملامح)، قصيدة شوارع، حبيب الصايغ، الوراقون للنشر والتوزيع، 1 . 24 ، ص 1986 لندن، . ديوان (أشرعة وأمواج)، قصيدة (البراحة والليل والقمر)، أحمد المدني، 2 . 36 ، ص 1973 . ديوان (مناخات أولى)، قصيدة (تحويمة البحروالمطر)، إبراهيم الهاشمي، ط 3 . 50 - 49 ، ص 1996 ، منشورات اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، الشارقة 1
النخيلات التي لم تعد تجد أمانا وراحة كعهدها في الماضي، وتتجلى الصورة بتشبيه الشاعرلها بإنسان يئن ويتألم ولا يدري ماذا يفعل. الصحراء وثقافتها الجديدة لم تعد الصحراء كما كانت عليه في الماضي، ففي ظل زحف آلة التحديث والعمران، أصبحت مرك از لتجهيزات حقول النفط وباتت النيران المتصاعدة منها تضيء ليل الصحراء الهادئ، والسيارات والحفارات والشاحنات العملاقة توقظ المكان من هدوئه وشاعريته، الذي كان بالأمس هادئا وادعاًً. ومع ظهور النفط كان لا بد من إنشاء الأبنية الحديثة والمجمعات السكنية والاستهلاكية والصالات الرياضية للعاملين في حقوله أيضاًً، فأصبحت الصحراء جزءا من المدينة العصرية التي تحتاج إلى كل المقومات والخدمات ووسائل الراحة والترفيه. وفي ظل هذا التغيير الذي طال عمق الصحراء تك ّرّست للصحراء ثقافة جديدة؛ حيث أصبحت ميدانا للعديد من الرياضات العالمية والخليجية، حيث بدأنا نشهد سباق السيارات (الرالي)، هذه الرياضة العالمية التي باتت من أهم الرياضات في صحراء الإمارات، كما تشهد صحراء ليوا في تل مرعب مهرجانا سنويا لعروض سيارات الدفع الرباعي على رمال الصحراء وكثبانها، فتجد في هذه العروض التباين بين
ٌٌوأنا مُُثخ ََن ٌٌ، قََمََري مُُطفََأ ) 3 ( والقلب رََذََاذ
هذه النخيلات تصرخ متألمة وكأنها حِِملان وديعة ترعى في مرعى أخضرخصب فهاجمتها الوحوش المفترسة وطردتها من هذا المرعى.. إلى أين تذهب هذه النخيلات؟ فقد حاصرتها أنابيب النفط ومنشآته التي تقترب يوما بعد يوم من رمالها الذهبية الناعمة، تُُشوّّش على سحرها في النهار وشاعريتها في الليل. إن الجمال في هذا المكان جمال حزين على هذه
93
92
2025 أبريل 306 / العدد
ُ
تجليات شعراء الإمارات: الصحراء وثقافتها الجديدة في عهد الطفرة النفطية
Made with FlippingBook - Online catalogs