torath 306 - APRIL_2025

سوق الكتب

منازل الغائبين على خ ُُطى المقيمين في الغياب: تطواف في تيزي وزو مع زهي ّّة منصر

عتبات المنازل وتوض ّّح لنا مؤلفة الكتاب الصادر عن دار السويدي للنشر والتوزيع في أبوظبي، والمؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، في تمهيد حمل عنوان «عتبات المنازل»، أن الغياب لا يعني أن تنتفي من الوجود، أو تختفي عن الحضور فقد يكون الحضور السلبي غياباًً، وقد يكون التهميش غيابا بقدر ما قد تكون استعارة لغة والعجز عن استيعاب أخرى غيابا أيضا ًً. وتحدثنا مؤلفة الكتاب زهيّّة منصر، عن تلك المناطق التي زارتها ومرت بها، والتي لم تكن إلا منازل طفولتها التي غادرتها ذات قدر وهي لاتتقن غير لغة تلك الجبال، فعادت إليها وقد ضيّّعت بعض لغتها ولهجتها في الدروب التي تنازعتها فكانت هذه الرحلة - بحسب قولها - أشبه بالبكاء على الأطلال تارة، وتارة أخرى أشبه بدموع متأخرة لم تعد تليق لا بالعمر ولا بالمكان. ونطالع على صفحات الكتاب، كيف أن المؤلفة بدت من خلال فصول وصفحات وسطور كتابها، وكأنها تقف بالمكان لتسائل الدروب والأزقة، وهي تبحث عن شيء ضيّّعته ولم تعد تعرف اسمه ولا شكله.. فكانت كمن يجبر الذاكرة على استعادة نفسها وهي تستأنس بتلك الأسماء والقامات التي وشمت طفولتها المبكرة سواء في حكايات جدتها أو صور الأقارب المهاجرين العائدين صيفا إلى الديار، أو في قراءاتها لاحقا ًً. ولم تكن فاطمة نسومر، أوطاووس عمروش، أومولود معمري، أو عبد الرحمان بوقرموح، أو حسين آيت أحمد، أو عز الدين مدور، أو معطوب الوناس، وغيرها من الأسماء التي وردت ضمن عناوين الكتاب، غيراستعارات للذاكرة التي عبرت ذات طفولة مكانا كان أشبه بأرض الأنبياء قبل أن تحوله المعارك السياسية والصراعات الأيديولوجية إلى حصان طروادة الذي

علي تهامي المكتبة العربية أدب الرحلة في زمن مُُبكّّر، عرفت من خلال كتب الرّحّالة العرب والمسلمين، إلى جانب الرّحّالة والمستشرقين الأجانب، الذين سجلوا رحلاتهم إلى الجزيرة العربية وبلاد المشرق والمغرب العربي، وإلى أماكن شتى من العالم. وقد ازدهر أدب الرحلة اليوم، وتوج ّّه كثير من الكتّّاب إلى ذلك الأدب بفروعه كلها، وربما كان الأدباء وخاصة ك ُُتّّاب الرواية، من أكثر الناس الذين جذبهم ذلك الأدب الذي يزداد حضوره في المكتبة العربية عاما بعد عام. ولم يغب الصحفيون عن ذلك الحقل الأدبي، حيث عرفت المكتبة العربية ما يُُطلق عليه اسم «الرحلة الصحفية». ومن بين الكتب التي لاقت رواجا لافتا للانتباه في مجال أدب الرحلة، يأتي كتاب «منازل الغائبين على خُُطى المقيمين في الغياب»، لمؤلفته الكاتبة والصحفية الجزائرية، زهيّّة

منصر، الذي فاز بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة، في فرع . 2022 الرحلة الصحفية لعام حيث ي ُُعد الكتاب بمنزلة تجربة مهمة في السفرفي المكان، ومحاولة الكشف عما غيبته سياسات الهيمنة السياسية على ثقافة المكان وأهله، وعلى التنوع الثقافي الذي طالما تشكّّلت من خلاله المجتمعات وازدهرت في مشارق الأرض ومغاربها، عاكسة بظواهرها المؤثرة والعميقة، وتواريخها المغيبة، كما في تجربة هذا الكتاب ثراء البشر وعظمة الثقافات التي جرح بها الإنسان وجوده، وسجل حضوره في الأرض والتاريخ.

17 ِٔير المحروسة في القرن الـ ا ََل ْْج ََزََا

امتطاه زعماء وتجار القيم والنظريات وبائعو صكوك الغفران والتذاكر إلى الجنة. صورة م ُُغايرة وتتحدث زهيّّة منصر، عن قبائل الزواوة، وجبال جرجرة في منطقة القبائل الكبرى في الجزائر، وكيف أنها أصرّّت على العودة إلى هذه الدياربهدف إعادة تسويق صورة أخرى مغايرة عن بلاد القبائل، صورة لا يعرفها الكثيرون أو يتجاهلونها، خاصة أنصار الحرف العربي، وذلك وفقا لقولها. وقد عمدت المؤلفة إلى جعل مدخل كل نص من نصوص الكتاب شخصية من تلك المنطقة، سواء كان فنانا أوسياسيا أو قائدا تاريخياًً، حتى تجمع بعضا من شتات تلك الذاكرة التي ترى بأن كثيرين تنكّّروا لها، في محاولة منها لإنصاف الذاكرة.. الذاكرة الثقافية، إذ جاء حديث زهيّّة منصر، في كتابها «منازل الغائبين على خطى المقيمين في الغياب»، عن

97

96

2025 أبريل 306 / العدد

منازل الغائبين على خ ُُطى المقيمين في الغياب: تطواف في تيزي وزو مع زهيّّة منصر

Made with FlippingBook - Online catalogs