الشتاء والرمز
الشتاء البارد وطقوس الاستقبال للشتاء وقع خاص في وجدان الإنسان الإماراتي عبر الأجيال المتلاحقة، وكان له أهمية خاصة في الاستقبال، حيث يحوّّل الفلاحون وأهل البادية الصمت الشتوي إلى احتفال جماعي يمهد للموسم المربعاني، فمن أهم الممارسات التي تصاحب : ) 7 ( مجيء الشتاء إعداد الخيام والمجالس الشتوية: في المناطق الريفية مثل • ليوا والظفرة، يُُعد الأهالي «البرزة» أو الخيمة الكبيرة من جذوع النخيل والصوف، ي ُُشعلون النار من الحطب (الحصوب) للدفء، ويجتمعون حولها لتبادل الحكايا عن أسلافهم، مع توزيع القهوة العربية والتمر لرمز التكافل. الطعام الشتوي التقليدي: يعد الفلاحون «الحريق» (شعير • محمص بالسمنة) و«الحلبة» (حساء دافئ بالتوابل)، بالإضافة إلى «الهريس» واللحم المشوي يُُؤكل جماعيا لدفء الجسد والروح، مع عادة «السمر الشتوي» حيث تغني الشيلات عن البرد والصبر، كما يعد البثيث والمدبس من أشهر الأصناف الإماراتية التي تعد في الشتاء من التمر ترافق شرب القهوة العربية الأصيلة. صلاة الاستسقاء والأدعية: مع أول ريح باردة (الدرور)، يصلي •
الرجال صلاة الاستسقاء في المساجد الريفية أو تحت الغاف، يدعون بالمطر، ويوزعون الصدقات من التمروالحليب، رابطين الشتاء بالبركة الإلهية. إصلاح أدوات الحيوانات: حيث يصلح الفلاحون الشبكات • والأدوات الزراعية، ويُُحمون الإبل والهجن بالصوف والغطاء، ِب الأب أبناءه على الصيد الشتوي �ِّ مع «ليالي الإعداد» حيث يُُدر بالصقور. المربعانية… قلب الشتاء النابض تعد المربعانية أبرز مواسم الشتاء عند أهل الإمارات، وهي فترة تمتد قرابة أربعين يوماًً، وتبدأ عادة في أواخر ديسمبر، وقد س ُُمّّيت بذلك لطولها النسبي، ولشدّّة بردها مقارنة بغيرها، في المربعانية يشتد البرد ليلا ًً، ويقسو الهواء، وتصبح النار رفيقة البيوت، وتكتسب المجالس طابعا أكثر حميمية، وتظهر فيها قيم التعاون، حيث يكثر التلاقي، ويخف الإيقاع العام للحياة، وكان أهل الإمارات يتعاملون مع المربعانية بحذر واحترام؛ فهي موسم يحتاج إلى تدبير في اللباس، والغذاء، والمسكن. لكنها في الوقت نفسه موسم صفاء ونقاء. رموز شتوية إماراتية شبة النار: هي «كعبة المجالس» في الشتاء، حولها تذوب • الفوارق الطبقية، وتشتعل قرائح الشعراء، وتُُروى قصص «القنص» والصيد بالصقور. النار في الشتاء لها إلى جانب أهميتها في التدفئة رمزية للكرم والأمان. البرزة: وهي مكان يجتمعون فيه يتدفئون بنار الحطب، يروون • حكايات الأجداد. البر (الصحراء): يتحول البر في الشتاء من مكان طارد صيفا • إلى «فردوس» متاح، والخروج إلى البرهو رحلة (حنين) يستعيد فيها الإماراتي صلته بالأرض وحنينه إليها. ملابس الشتاء البرد في الشتاء هو الاختبار الأعمق للروح الإنسانية، يُُعيد الإنسان صياغة هويته في مواجهة الصقيع، وفي دولة الإمارات العربية المتحدة حيث الرمال الذهبية تتحدى الثلج، يصبح الشتاء لغة شعرية تُُقرأ في صمت الليل، تُُردد في المجالس تحت ظلال الغاف، فيحتفي الرجال والنساء، ويتفنّّنون في
فالشتاء ظاهرة، مناخية للروح والحياة والجمال، إنه حالة من «التصالح مع الذات»، الشتاء درس معرفي خلاصته أن البرد الخارجي هو المحفز الأكبر لصناعة الدفء الداخلي في الفرد والأسرة والمجتمع، وهو «الموسم الذي لا ينتهي بانتهاء أيامه، بل يظل محفورا في رائحة الحطب وعمق القصيدة». باحثة إماراتية الهوامش والمراجع: . اللخمي، ابن هشام، المدخل إلى تقويم اللسان، تحقيق: الأستاذ الدكتور 1 حاتم صالح الضامن، دار البشائر الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، . 458 م. ص 2003 هـ - 1424 لبنان، الطبعة الأولى، . عمر، أحمد مختار، بمساعدة فريق عمل، معجم اللغة العربية المعاصرة، 2 . 1164 ، ص 2 م. ج 2008 هـ - 1429 عالم الكتب، الطبعة الأولى، . المصدر السابق نفسه. 3 . المسعودي، أبو الحسن، التنبيه والإشراف، تصحيح: عبد الله إسماعيل 4 . 14 الصاوي، دار الصاوي - القاهرة. ص . موسى، حسين يوسف، والصعيدي، عبد الفتاح، الإفصاح في فقه اللغة، 5 . 930 ، ص 2 هـ، ج 1410 مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الرابعة، . الإسكافي، أبوعبد الله الخطيب، مبادئ اللغة مع شرح أبياته، دراسة وتحقيق: 6 . 66 الدكتور عبد المجيد دياب، دار الفضيلة. ص م، 2022 فبراير 5 . مراد، أحمد، «خمسينية الشتاء».. وراء كل «برد» حكاية، 7 / https://www.aletihad.ae/news : مركز الاتحاد، الرابط . إطلالة إماراتية الأزياء والحلي في تراث الإمارات، إدارة الدراسات والأنشطة، 8 . 20 م. ص 2008 الاتحاد النسائي العام، ترجمة: المجلس الأعلى للإعلام،
البحث عن الملابس الشتوية المخزنة من الشتاء الماضي أو : ) 8 ( يشترون حللا جديدة منها الشال (قطن مكة): وهو ثوب مصنوع من الصوف الخفيف • تلبس في أيام الشتاء وتتعدد في الألوان والزخارف والنقوش، حيث تتفنن المرأة في تطريزاته. الكندورة الإماراتية بأنماط مختلفة في الشتاء، المصنوعة • من قماش ثقيل، ويضيفون إليها الوزار الصوفي أحيانا للدفء وللكندورة ألوان مثل الأسود والبني. الشيلة الصوفية وهي الغطاء السميك لتدفئة الرأس • والكتفين، خاصة في الليالي الباردة. العباءة الثقيلة تلبسها النساء عند الخروج، وهي غالبا أغمق • لونا وأكثر سماكة من عباءة الصيف. البشت أو الفروة من أبرز ملابس الشتاء، حيث يوفران حماية • من البرد ويمنحان الهيبة والمكانة. الغترة أو الشماغ السميك مع العقال لتدفئة الرأس، خاصة • في البر، وتكشف هذه الملابس عن انسجام الرجل الإماراتي مع بيئته كما يسمى الشال ويكون مطرزا بنقشات مميزة وتدرج اللون البيج والرمادي والبني وكان يجلب من الهند. ختاماًً: تبدو فلسفة الشتاء وطقوسه لدى الإنسان الإماراتي واحدة من الموروثات الزمنية العميقة في وجدانه وحياته،
101 2026 فبراير - مارس 313 / العدد فبراير 313 / العدد
100 الشتاء: طقس ورمز في التراث الإماراتي
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online