إضاءة
في زمن تتصاعد فيه سيطرة شبكات التواصل الاجتماعي وخوارزميات الذكاء الاصطناعي على مفردات الحياة اليومية للمجتمع، وظهور مفهوم المواطنة الافتراضية، هذه التي فرضت وجودها فأصبح واقعا ملموسًا على الأرض، سادت ثقافات عابرة للحدود الجغرافية، وسط كل هذا تُُقدّّم دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجا لفهم تحولات الهوية والتراث أمام قوة الثقافات المتسيدة للعالم الافتراضي. لم تتحول الثقافة الإماراتية إلى كيان متجمد وغرقت في الماضوية، بل أصبحت مثل النخلة متجذرة بعمق في أصالة موروثها، بينما تنمو سعفاتها نحو أفق الحداثة والمستقبل مستمدة طاقتها من جذورها الضاربة في رمال الصحراء. يقدم النموذج الإماراتي رؤية واقعية للتراث، فهو ليس النموذج الحارس المتجمد للتراث والهوية، بل نموذج حي يتنفس ويتفاعل مع الموروث، ولم يتحول إلى عبء على الحاضر، بل أصبح بوصلة متطورة تعيد تعريف الانتماء مازجة ما بين الماضي وحيوية الحاضر واستشراف المستقبل. يتجاوز النموذج الإماراتي الثنائية التقليدية بين الأصالة والمعاصرة وفكرة الصراع بينهما وخاصة حالة الصراع بين التراثي والافتراضي المؤثربعمق في تكوين عقلية المواطن كونه التراث كهوية متغيرة ... فلسفة الانتماء
شريف مصطفى صحفي مصري
العضو الفاعل في المجتمع، هذا التجاوز جعل من النموذج الإماراتي دليلا على إمكانية تحويل التراث إلى طاقة وقوة دافعة نحو المستقبل. المتابع للمجتمع الإماراتي سيجد أن العديد من الممارسات التراثية مثل العيالة واليولة والصقارة لم تعد مجرد طقوس شعبية تاريخية، بل تحو ّّلت إلى عناصرفاعلة ومؤثرة في المشهد الوطني. فقد أعادت الذهنية المجتمعية الإماراتية تفسير هذه الممارسات من مجرد أنشطة تقليدية تراثية إلى رموز لروح التحدي والصبر والبراعة والقوة التي شك ّّلت عناصر دفع نحو بناء الدولة الإماراتية الحديثة. يظهر هذا واضحا في تحول الصقور من أداة للصيد إلى رمز
والحداثة فبدلا من أن يكون التراث سجنا للماضي أصبح مصد ار للإلهام من أجل المستقبل من خلال عملية انتقاء خلاق وإعادة تفسير مستمر كل ذلك جعل الإمارات تحو ّّل تراثها من ذاكرة إلى طاقة، ومن أثر إلى فعل. وفي سياق متصل لا يمكن إغفال البُُعد الرقمي في التجربة الإماراتية، ففي الوقت الذي يخشى فيه العالم من أن تؤدي سطوة الذكاء الاصطناعي إلى تآكل الهويات المحلية، اتخذت الإمارات مساار مغاي ار تماما حيث قامت بتطويع هذه التقنيات لخدمة الموروث محولة إياه من روايات شفهية معرضة للنسيان إلى ذاكرة رقمية خالدة. إن مشاريع الأرشفة الرقمية ليست مجرد حفظ للمعلومات، بل هي إعادة إنتاج التراث في قوالب تتماهي مع ذائقة الأجيال الجديدة تلك الأجيال التي ولدت وبين أصابعها الهواتف الذكية. إن هذا التطور والدمج ما بين التراث والتقنيات الرقمية يؤكد نجاح فلسفة الدولة في أن التراث ليس نقيضا للتكنولوجيا، بل هو المحتوى الأصيل الذي تستمد منه التكنولوجيا زخمها وروحها الفاعلة. يكمن هذا النجاح في فهم الذهنية الإماراتية في أن التراث هو هوية متغيرة وانتماء مرن يتشكل عبر حوار مستمر بين الماضي والحاضر من أجل هدف واحد هو صناعة المستقبل. هكذا تكون دولة الإمارات العربية المتحدة قد قدمت نموذجا لكيفية أن نكون جزءا من عالم واحد، دون أن نفقد نغمتنا الخاصة في السمفونية الإنسانية
للهوية الوطنية، وتحول اليولة من فن حربي تقليدي إلى عرض فني يحمل قيّّما جمالية وروحا جماعية تعبّّر عن التماسك المجتمعي. لم ترفض دولة الإمارات العربية المتحدة الحداثة بحجة الحفاظ على التراث، بل استخدمت مواردها في بناء متاحف عالمية، مثل: «متحف اللوفر- أبوظبي» الذي يقدم حواار بين الحضارات المختلفة مؤكدة أن الانتماء إلى التراث لا يعني أبدا الانغلاق على الذات وعدم الانفتاح على العالم. يمثل التراث في العقلية الإماراتية الحديثة نموذجا واقعيا ينظر إلى التراث كعملية تفاعل، وليس كمنتج نهائي جامد، فكل جيل في المجتمع الإماراتي يعيد اكتشاف التراث، ويعيد تفسير مفاهيمه لتتماهى مع رؤيته للعالم بنت وقتها. وليس هناك أدل على ذلك من التراث البحري، في الماضي كان البحر مصد ار للرزق ومجالا للمخاطرة، وكانت حرفة الغوص لجمع اللؤلؤ عماد الاقتصاد حينها. أما الآن تحول الغوص إلى قيمة ثقافية ورمز للهوية الوطنية، لقد أعاد المجتمع تفسير هذا العنصرالتراثي من قيمة اقتصادية إلى قيمة ورمزللصمود والارتباط بالبيئة والجذور. يتجلى أحد أوجه نجاح النموذج الإماراتي في تحويل التراث من شيء نتذكره إلى قيمة نعيشها في مهرجان الشيخ زايد؛ حيث إنه لا يقتصرعلى العروض الفلكلورية، بل تحو ّّل إلى منصة للتعلم والمشاركة والاحتفاء بالهوية الإماراتية. مهمة في إدارة العلاقة بين التراث ا � الإمارات تقدم دروس
109 2026 فبراير 313 / العدد
108
التراث كهوية متغيرة ... فلسفة الانتماء
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online