شعر النخلة
النخلة في الوجدان الإماراتي: رمز الحياة واللغة والقول
أحمد عبد القادر الرفاعي تحتل النخلة مكانة مركزية في الوجدان الإماراتي، لا بوصفها مجرد شجرة مثمرة، بل كرمز للحياة والكرامة والصبروالعطاء. وقد انعكس هذا الحضور العميق للنخلة في البيئة على اللسان الإماراتي، حيث تسللت مفرداتها إلى تفاصيل الحياة اليومية، وتجل ّّت بقوة في الشعر النبطي، والأمثال، والتعبيرات الشعبية، حتى باتت مرآة لثقافة المجتمع وهويته. في اللسان الإماراتي، لا يُُذكر «الخوص» و«السعف» و«العذوق» و«الرطب» بوصفها أجزاء نباتية فحسب، بل تُُحمّّل دلالات اجتماعية وأخلاقية، فـ «السف ّّ» مثلا لا يعني مجرد حياكة الخوص، بل يُُستخدم رمزًا للإتقان، و«الخرايف» لا تشيرإلى ثمرالرطب المتأخرفقط، بل إلى الحكمة والانتقاء. هذا التوسع في المعنى يؤكد أن اللغة الإماراتية، خصوصا في شقها التراثي، تؤنسن النخلة وتجعلها جزءا من التمثيل الرمزي للقيم. في هذا المقال، نستعرض كيف شك ّّلت النخلة معجما دلاليا خاصا داخل اللسان الإماراتي، من خلال تتبع مفرداتها ومعانيها في الشعر النبطي، وتحليل أبعادها الجمالية والثقافية.
بها استعارات ورموزا على مقاصدهم كما قالت فتاة الحي «ابنة ابن ظاهر» بالاستعارة والتشبيه في بيتها الشهير: ّّــــــــــار خـــــــــوص مضاعـــــــــــــــف إلــــــــــــــــــى ســفّّـــــــــــت الشع ) 1 ( تنقّّيــــــــــــت مــــــــــــــــــــــن خــــــــــــــوص الخوافــــــــــــي قلوبهــــــــــــا هذا البيت يجسّّد عمق الحقل المعجمي المرتبط بالنخلة في التراث الإماراتي، حيث تُُستََخدم مفردات مثل «الخوص» و«السف ّّ» بطريقة مجازية تعبّّر عن الإبداع الشعري النبطي. تشبّّه الشاعرة الشعراء بالحرفيين الذين «يسفّّون» الخوص بدقة وإتقان، في دلالة على مهارتهم في نسج القصائد. و«الخوص المضاعف» يرمز إلى تعقيد البناء الشعري، بينما «قلوب الخوص» المنتقاة من «الخوافي» تشير إلى المعاني العميقة التي يستخرجها الشاعر من أعماق النفس. النخلة هنا ليست مجرد نبات، بل كيان رمزي يعكس الروح الإماراتية، حيث تتداخل الح ِِرفة بالقصيدة، والبيئة بالهوية. وقول الشاعر: ومــــــــــــــــــــن الخرايـــــــــــــــــــــف خـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــذت بــقــيـــــــــــــــــــــــــــــاس ) 2 ( وقــيــظـــــــــــــــــــــــــــــــــــت قـبـــــــــــــــــــــــــــــــل اِِمّّــــــــــــــــــــــا يقضــــــــــــــــــــــــــــــــــون يُُبرز هذا البيت مكانة النخيل في اللسان الإماراتي بوصفه رم از للحكمة والنضج والسبق في الرؤية. يوظف الشاعر مفردات مثل «الخرايف» و«القيظ»، المرتبطة بدورة حياة النخلة،
لتوصيل معان تتجاوز الزمان والمكان. فـ«الخرايف» ترمز إلى الثمرة الناضجة بعد صبر طويل، وتُُحاكي تجربة الشاعر الناضجة، بينما «خذت بقياس» تشير إلى التروي والحكمة في اتخاذ القرار. أما «قي ّّظت قبل ا ِِم ّّا يقضون» فتدل على بصيرة الشاعروسرعة استعداده مقارنة بغيره، مستخدما «القيظ» كرمز للجهوزية والتفوق. يتجلى من خلال هذا التوظيف أن مفردات النخيل ليست مجرد عناصر بيئية، بل تعبيرات لغوية محم ّّلة بالقيم والمعاني، تُُعبّّر عن هوية الإنسان الإماراتي وروحه العملية والمتأملة. ويقول علي بن سالم المرر: شـــرتـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا عـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــق الــمــســلّّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي لا هـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــب غـــيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر الــيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوم لاو ّّل بـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــه نـــســـتـــظـــلـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي ) 3 ( عـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن كـــشــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاح الـسـمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوم في هذين البيتين ي ُُشب ّّه الشاعررمزية النخلة بما كانت تمث ّّله من حماية وسند في الزمن الماضي، قائلا إنها «شرتا عق المسلّّي»، أي لم تعد كما كانت، مثل المسلّّة التي كانت تقي وتُُسلي من حر القيظ. وهذا التشبيه يكشف ارتباط النخلة في المخيال الإماراتي بالظل، الراحة، والسلوى، تماما كما يستظل الإنسان
النخلة في الشعر: رمز ووجدان
ا � تقف النخلة شامخة، لتضيء آفاق
واسعة من إبداع
الشعراء العابرين في الزمن. فمنذ العصر الجاهلي، أطلقت النخلة العنان لمخيلة الشعراء، ولا تزال حتى اليوم مصدر إلهام لشعراء العصر الحديث. فهي النخلة ذاتها، وإن تبدلت الأفكار الموحية التي تأخذنا إلى المكانة الرفيعة المستوى التي حظيت بها عند العرب الأوائل. وهناك العديد من القصائد التي ذكر فيها الشعراء النخلة ومفرداتها واستعاروا
111
110
2026 فبراير - مارس 313 / العدد
النخلة في الوجدان الإماراتي: رمز الحياة واللغة والقول
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online