شعر النخلة
لفصل الشتاء. فالتعبيريوحي بالندرة والحرص على التمركقيمة غذائية عالية في التراث. ثم يُُتابع: «كان ما خسرت غازيها»، أي إن من يتمادى في الأخذ قد يخسر من يسعى لنيل رضاها، في إشارة رمزية للتمر الغالي أو المرأة المتمنعة. وفي البيت الثاني، ي ُُشبه المحبوبة بالتمرالمغموس في السمن، وهي صورة تقليدية إماراتية تعني الترف واللذة، ويقول إنها «عذّّبت خلق الله»، أي أبهرتهم بجمالها أو تعاليها، حتى إنها لا تعطي «فرده» أي تمرة واحدة. هذه الصور المستمدة من التمر والنخيل تعكس عمق ارتباط الإماراتي بتراثه، حيث تتحول النخلة من مجرد شجرة إلى أيقونة للكرم، الجمال، والندرة. وقول الخلاوي: شـــــــــــــــرب على غــيــــــــــــــر الضمـــــــــــــــــــــــا يجرح الحشــــــــــــا وقـــــــــــــــــــــــــــرب عــلـــــــــــــــــــــــــــــــــــى غــيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر المــــــــــــودة لاش لــه حــبــــــــــــــــــــــــــه احــلـى من المــــــــــــاء على الظمــــــــــــــــــــــــا والذ مــــــــــــــــــــــــــــن الدنيـــــــــــــا وكــــــــــــــــــــــــــــل معـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاش واحــلـــــــــــــــــــــى مـــن اللي يـنـقـــــــــــــد الطيــــــــــــر راسهــــــــــــــــــــــــــا ) 6 ( يــنــوشــهــــــــــــــــــــــــــــــــــا بيــــــــــــــــن الــجــريــــــــــــــــــــــــد نــــــــــــــــــــــــــــــــــــواش في هذه الأبيات، يوظّّف الشاعر مفردات البيئة الإماراتية، خاصة مفردات النخلة، ليعب ّّر عن الحب الصادق وي ُُبرز النخلة كرمزتراثي يحمل معاني الدقة، والمهارة، والعذوبة. يبدأ بصورة الشرب دون عطش، ويماثله بـ«القرب دون مودة»، وكلاهما فارغ المعنى ومُُتعب للنفس، في تلميح إلى العلاقات الخالية من الإخلاص. ثم ينتقل الشاعر ليصف حبّّه قائلاًً: «له حبّّه أحلى من الماء على الظمأ»، وهي صورة مستمدة من الحياة الصحراوية حيث يُُعد الماء في العطش أعظم النِِعََم. ويُُتابع: «والزمن مطعوم كل معاش»، أي إن طعمه يبقى حلوا رغم تقلبات الزمن، كناية عن ثبات المشاعر الصادقة. البيت الأخير هو الأهم رمزيا ًً، حين ي ُُشب ّّه محبوبه بالطير الذي «ينوشها فوق الجريد نواش»، فـ«الجريد» (سعف النخل اليابس) رمز تراثي إماراتي يدل على البيئات القديمة، والـ«نواش» يُُجيد اصطياد الح ُُب فوقه. بهذا تصبح النخلة منصة للحب والحنين والمهارة، ورم از عميقا للهوية الإماراتية.
بل رموز ثقافية نابضة بالحياة. فالنخلة، بما تحمله من دلالات العطاء، والصبر، والجمال، تحوّّلت إلى استعارة مركزية تعبّّر عن القيم الإنسانية العميقة في المجتمع الإماراتي. في الشعر النبطي، توظف مفردات مثل «الخوص»، «الرطب»، «القيظ»، و«الخرايف» لتمثيل الحكمة، والنضج، والهوية، بينما في الأمثال الشعبية تغدو النخلة معيا ار للحكمة العملية والأخلاق الاجتماعية. هذا التداخل بين المعجم والرمز يؤك ّّد أن النخلة لم تكن عنص ار طبيعيا في حياة الأجداد فقط، بل كانت لسانا بثقافتهم، وأداة لنقل تجاربهم وقيمهم عبر الأجيال. ا � ناطق بذلك، يُُثبت الحقل المعجمي للنخيل مكانته كجسر حي بين اللغة والبيئة، وبين التراث والوجدان الشعبي المصادر والمراجع: - النخلة في العيون المحلية، علي الحمادي، نبطي للنشر، الطبعة الأولى، عام 1 . 58 ، ص 2023 كاتب وباحث من سوريا . 58 - المرجع نفسه، ص 2 . 58 - المرجع نفسه، ص 3 . 59 - المرجع نفسه، ص 4 . 59 - المرجع نفسه، ص 5 . 59 - المرجع نفسه، ص 6 - «الفرض» عمود الأرض.. يشعل التنافس في «ليوا للرطب» - مركز الاتحاد 7 . 2023 يوليو 29 للأخبار ، . 2021 يوليو 24 - شبكة بيئة أبوظبي، 8 . 55 - النخلة في العيون المحلية، مرجع سابق، ص 9 . 2017 يناير 25 - «العوانه تح ّّت بعيد» عوض بن حاسون الدرمكي، جريدة البيان 10
عميقا إلى اللغة اليومية والثقافة الشعبية، حيث تسلّّل ذكرها للصبر والعطاء والكرم. ا � إلى الأمثال الإماراتية بوصفها رمز وهكذا غدت النخلة جزءا من الوجدان الجمعي، تجس ّّد حكمة الأجداد، وتصل الماضي بالحاضر بروح أصيلة نابضة بالمعنى. ومن الأمثال الدالة على ذلك: ...إن كلته هناك وإذا بعته غناك». ) 7 ( «الفرض عمود الأرض وذلك في وصف الفرض وهو صنف من أصناف الرطب المشهورة في الإمارات. .» ) 8 ( «لي ما يزرع الدبّّاس لا ياخذ من بنات الناس والدباس نوع من الأنواع القديمة وينتشر في منطقة الظفرة منذ زمن بعيد. .» ) 9 ( «الثريا لون والجوزاء عون والمرزم يا خرف الزم وهذه دلالة على تأثير المواسم المختلفة على النخلة. .» ) 10 ( «عوانه وحتاتها بعيد العوانة هي النخلة الطويلة، يقال المثل للأشخاص الذين يكون خيرهم للبعيد وليس للأهل والأقرباء. .» ) 11 ( «حاضر شهر وغياب سنة والمقصود موسم الرطب. .» ) 12 ( «أنا الشبيبي جان تدريبي والشبيبي نوع جيد من التمر، ويقال فيه هذا المثل. وهكذا يمكن القول إن الحقل المعجمي للنخيل يُُمثّّل ركنا أساسيا في اللسان الإماراتي، تجلّّى بوضوح في الشعر النبطي والأمثال الشعبية، حيث لم تكن مفردات النخلة مجرد كلمات
بشجرة وقت الظهيرة. ويضيف الشاعر: «لا هب غير اليوم»، أي إن ظلّّها لم يعد يمتد كما كان، بل أصبح نفعها محدودا باللحظة، إشارة رمزية إلى تغيّّر الزمان أو خفوت بعض القيم القديمة. وفي قوله: «الأول به تستظلي عن كشاح السموم»، يربط النخلة بالماضي الذي كان يُُستظل فيه من «السموم»، أي الرياح الحارة، في تصوير بيئي واقعي يحمل دلالة وجدانية. وهكذا، ترمزالنخلة هنا إلى الزمن الجميل والقيمة التراثية التي كانت تقي الإنسان من قسوة الحياة، فصارت رماز للحنين، والدفاع عن الجذور. وفي قصيدة لشاعرآخر: يـــالــنـــوخـــــــــــــــــذا م قــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدرت أنــــــــــــــــــــــــــا أســـــــــــــــــوب ّّــــــــــــــــــــــــــــــع لــــــــــــــــــــــــي اِِيـديـّّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه الـــحـــبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل قـــط ذاكــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر «دبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا» ومــــويــــيــــــــــــــــــــــــــــــــــــة الـــدوب ) 4 ( ورطــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــب خـــواطـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر واشــهــليـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه يؤكد الشاعر رمزية النخلة في التراث الإماراتي. فيقول مخاطبا «النوخذا» - ربان السفينة - إنه ما عاد يقدر «يسوب»، أي يسحب الغواص من أعماق البحر، لأن الحبل من غلظته وخشونته جرح يديه ويشعر وكأنهما لشدة ألمه تتقطعان، في تصوير مجازي للعجز عن مواجهة أمواج الزمن أو الفقد. هذا العجز لا يُُفهم من زاوية بحرية فقط، بل يعكس انقطاعا عن الجذور، عن الماضي، عن رموز القوة التي كانت تشد الإنسان إلى الحياة. ثم يستدعي الشاعر دلالة «دبا»، المدينة الساحلية العريقة، ويقرنها بـ «موية الدوب»، أي موج الزمن المتقلّّب، ليفتح نافذة للحنين والذكرى. وهنا تأتي «رط ّّب خواطر واشهليه» كصورة بصرية ووجدانية ترتبط بالنخلة، فـ «الرطب» و«الشهلية» يرمزان إلى العذوبة والسكينة. بذلك، تتجلى النخلة كرمزتراثي إماراتي يبعث الطمأنينة، ويقاوم قسوة الزمن ومرارته. وقصيدة أخرى: زيـــــــــــــــــــــــــــد يــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا الــجــلّّــيـــــــــــــــــــــــــــــع مـــــــــــــــن القلّّــــــــــــــــــــــــــــــــــــه ّّـــــــــــــــــــــــــــرت غازيهــــــــــــــــــــــــــــــــــــا كـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــان مـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا خــس يـــا الـسـمـــــــــــــــــــــــــن عــذبــــــــــــــــــــــــــت خـلــــــــــــــــــــــــــق اللـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه ) 5 ( حـــتــــــــــــــــــــــــــــــى فــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــردة مــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا بتعطيهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا يستخدم الشاعر في هذين البيتين مفردات التمر والنخيل ليصوّّر بها مشاعر الحرمان والرغبة، مما يُُبرز مكانة النخلة كرمز تراثي إماراتي. فيقول: «زيد يا الجلّّيع من القلّّة»، موج ّّها الحديث لمن ينتزع التمرمن «القلة»، وهو وعاء ي ُُخزن فيه التمر
. 56 - المرجع نفسه، ص 11 . 56 - المرجع نفسه، ص 12 . 56 - المرجع نفسه، ص 13
حكاية النخلة في الأمثال لم يقتصر حضور النخلة على جوانب الحياة المادية، بل امتد
113 2026 فبراير - مارس 313 / العدد
112 النخلة في الوجدان الإماراتي: رمز الحياة واللغة والقول
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online