المقيظ والتراث
«ضاية»: ذاكرة المقيظ الإماراتي
عبدالله محمد السبب
ها هو الصيف.. يلملم قيظه تارةًً، ويفرد لهيبه تارة أخرى، مُُراوحا في الذهاب والقدوم.. مخيما في المضارب بعنفوان الزمن الكريم، أو طاويا أشرعته مطلقا ع ََد ََّه التنازلي نزوحا نحو جهات أخرى من العالم على أمل العودة في العام المقبل ليكون منطقة زمنية دافئة أو حارة للأحياء. وعلى ذلك.. تََوََج ََّب علينا تجاه هذا المتجول الأبدي، الطواف قليلا حول الذاكرة المملوءة بحكايات السنين الفائتة من عمر أناس هذه الأرض المعطاء، الحبلى بكل ما هو شاهد على عراقتهم ونقاء عََرََقِِهم الذي سقى عُُروق الأرض، فأينعت حضارة يشار إليها بالبنان. مقايظ الإمارات: صيف وحياة تقليدية «المقيظ»: [ق ي ظ ـ (الق ََيْْظ ُُ) ح ََم ََارََة الصيف ِِ. و(قاظ ََ) بالمكان و(تََقََيََّظ ََ) به أقام به في الصيف ِِ، والموض ِِع (مََقِِيظ ٌٌ). و(قاظ ََ) ي ََو ْْم ُُنا اشت ََد ح ََر ُُّه ُُ]: أنظر(م ُُخ ْْتار الص ََّحاح) للشيخ الإمام محمد بن أبي بكر الرازي، باب القاف. ومن المرجع ذاته، وفي باب الصاد تحديدا ًً.. نستدل على أن القيظ هوفصل الخريف! حيث يقول: [ص ي ف ـ (الصيف) وأحد فصول السنة وهو بعد الربيع الأول وقبل القيظ]! وقد أوردنا هذه الملاحظة لأنه لا يوجد في عرف أهل الخليج قديما سوى فصلي (الشتاء والصيف)، حيث تتداخل الفصول بعضها مع بعض: الربيع بالشتاء، والصيف ِظ ْْ) أي �ِّ ِف ْْ) أي سنصطاف، و(مِِنْْقََي �ِّ بالخريف، فنقول: (مِِنْْص ََي ِظ دبا، ومِِنْْش ُُوف قِِيظ ْْها).. أي سنقيظ في �ِّ ِظ ْْ.. يقال: (مِِنْْق ََي �ِّ س ََن ُُق ََي «دبا» وسنرى قيظها (محصول القيظ فيها)، و«دبا» هذه تقع في المنطقة الشرقية من دولة الإمارات، وهي ذات تقسيمات ثلاث: «دبا الحصن» تتبع لإمارة الشارقة، «دبا الفجيرة» تتبع لإمارة الفجيرة، و«دبا البيعة» تابعة لسلطنة ع ُُمان.
قلعة ضاية في إمارة رأس الخيمة
وكذلك (شْْناص ْْ) في سلطنة عُُمان، كما أن بعضا من أبناء (شََعََمْْ) و(خُُور خُُويرْْ) والمناطق المجاورة لهما يصطافون أو يقيظون في (بُُخا) و(خ ََص ََب ْْ) التابعتين لسلطنة ع ُُمان ْْ. أما أهالي مدينة رأس الخيمة فإنهم يتوزعون في مقايظ عدة: (الحيل، الفحلين، الفليّّة، القصيدات، الحديبة، العريبي)، و(الكويس) الذي يقصده أناس من مدن ومناطق عدة.. يقع بين العريبي والحديبة، وربما يكون اسمه تصغي ار لرياح الكوس. وكذلك يشتركون مع أهل دبي في مقيظ (الغِِب ْْ) و(شمل) التي تنقسم إلى (شمل فوق) و(شمل تحت)، فهي مقيظ مشترك لكل من له مزارع هناك من دبي ورأس الخيمة و«الرمس» وغيرهم. فََس ُُك ََّان «شمل» أنفسهم لا يملكون - إلا قليلا منهم - مزارع تخصهم، وإنما هم يعملون لدى أصحاب المزارع حيث العناية بالنخيل والمزارع بشكل عام، لذلك يطلق عليهم (البيادير) من (البيادر)، بمعنى البستانيون أو الفلاحون الذين يقومون على خدمة بيادرالنخل أي مزارع النخيل، و«شمل» هذه تعد المكان الرئيسي لصناعة الفخار في الإمارات عبر التاريخ، حيث تم العثور على الأفران القديمة في (وادي حجيل) وآلاف من القطع الفخارية يتراوح عمرها ما بين ستة إلى سبعة آلاف سنة كأقدم الآثار في منطقة الخليج العربي. ثم نأتي إلى (ضاية) مقيظ أهالي (الرمس)، حيث ستكون محور
تشتهر «دبا» بزراعة العديد من الفواكه: «الهمبا البلدي» ِخ ََاخ ْْ» �ِّ (المانجو)، «الموز الفرضي» (قصير ومتين)، «الش ِرِِنْْج ْْ» (نوعان من الليمون)، بالإضافة إلى العديد من أشجار �ِّ و«الت النخيل المختلفة الأحجام والأنواع والمواسم. كذلك تكثر فيها الغربان.. يقال: (غراب الباطنة!!)، ولعل ذلك يعود إلى كون هذه الغربان قادمة أصلا من منطقة «الباطنة» في سلطنة ع ُُمان.. وتعتبر «دبا الحصن» كذلك مقيظا لقبيلة الظهوريين من أبناء إمارة رأس الخيمة في «وادي شعم». وعلى ذلك.. لا بد من المرور السريع على أشهر المقايظ في إمارة رأس الخيمة التي كانت مصيفا (مقيظاًً) للعديد من سكان الإمارات الذين يتوافدون إليها من بقاع عدة: دبي، الشارقة، ومن بقاع أخرى تنتظر حرارة المقيظ على أحر من الجمر.. بالإضافة إلى أبناء الإمارة من مختلف مدنها وقراها وبخاصة أبناء الساحل.. فإلى مرورنا السريع على أشهرها: (خََت ْْ) منطقة سكن دائم لأهل خََت أنفسهم الذي يضم بين جنباته في حضن الجبل (عين خت) عين ماء شهيرة تعد - بإذن الله تعالى - مصحة لأمراض عدة تتعلق بالجسد (أمراض الجلد والعظام)، وتعد «خ ََت ْْ» كذلك مقيظا رئيسيا لأبناء «قبيلة زعاب» من الجزيرة الحمراء حيث يقيظون في المكان الذي يمتلكون فيه مزارع للنخيل ومن ذلك: (الحِِيلْْ)، (الفََحْْلينْْ)،
115
114
2026 فبراير - مارس 313 / العدد
«ضاية»: ذاكرة المقيظ الإماراتي
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online