تراث النغم
عاينّّا، في المقالة المنشورة في عدد سابق، كيف استغرب معبد ألا يميّّز رجل ذو يسار ومهابة أشكال النغم، وألا يطرب لنغم يُُفترض أنّّه لمجالس السماع، ثم يطرب لنوع آخر من النغم ليس هذا موضعها، كذلك الطريقة ال ّّتي عب ّّربها عن طربه ليست تليق بقدره وهيبته. ونحاول هنا إيضاح الفكرة، فكرة تمييزأنواع النغم عن بعضها، لا بالحكم على النغم جيدا أو رديئاًً، بل على نوع النغم نفسه، وعلاقته باللغة، فشخصيّّة مقالنا اليوم تعرض وجهة نظر مركّّبة، حكايتنا اليوم من كتاب «الأغاني» عن ح ُُنََيْْن، تُُروى من توجّّهََين، توجّّه الموسيقي والشاعر، وحُُنََين بارع في كليهما، وإن كان في النغم بين أهل زمانه أقل درجة من معبد، وفي الشعر ليس من طبقة فحول أهل عصره حت ّّى من أهل الغزل، مثل كثي ّّر، وابن مي ّّادة أو غيرهم كالأحوص، لكن ّّه يفوق جميعهم بين النغم والتراث )2-2( الفصيح والعامي
فبينما نحن كذلك، إذ جاء أبو منبه وإذا هو شيخ عليه خفان أحمران كأنه جمّّال فوثبوا جميعا إليه وسّلّموا عليه، وقالوا: يا أبا منبه أبطأت علينا، وقدّّموا له الطعام، وسقوه أقداحا وخنِِست أنا حتى صرت كلا شيء خوفا منه، فأخذ العود ثم اندفع يغنّّي: ة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ا س ََفِِين ــــــــــــــــــــــ رِِي ي ُُـــــــــ ر فاعْْب ْْـــــــــــــــــــــــــــ رِِب البََح ََــــــــــــــــــ ط ة ـــــــــــــــــــــــــــ ال المََدِِين ـــــــــــــــــــــــــــ ى رِِج ََــــــــــــــــــ ي ع ََل ِـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ �ِّ لا تََش ُُق فأقبل القوم يصف ّّقون ويطربون ويشربون، ثم أخذ في نحو هذا من الغناء، فقلت في نفسي: أنتم هاهنا! لئن أصبحت سالما لا أمسيت في هذه البلدة. فلمّّا أصبحت شددت رحلي على ناقتي، واحتقبت ركوة من شراب ورحلت متوج ّّها إلى الحيرة وقلت: ُُـــــــــــــــــــــــــــب ب ِِـــــــــــــــــــــــــــي النـــــــــا ْْــــــــــــــــــرِِي مََتََى تََخ ِِلََيْْـــــــــــــــــــــــــــت شِِع ِيــــــــــــــــــن �ِّ قـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة بََيْْـــــــــــــــــــــــــــن الس ََدِِيـــــــــــــــــــــــــــر والص ََن ِِمُُحْْقِِبـــــــــــــــــــــــــــا رََكْْــــــــــــــــــــــــــــــــــــوََة وََخُُبْْـــــــــــــــــــــــــــز رُُقـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاق وََبُُقُُـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــولا وََقِِطْْعــــــــــــــــــــــــــــــــــــة مِِــــــــــــــــــــــــــــــــــــن نُُــــــــــــــــــــــــــــــــــــون ِِــــــــــــــــــي زادا س ِِواهــــــــــــــــــا مِِـــــــــن الشـــــــــــــــــــــــــــا ْْــــــــــــــــــت أََبْْغ ل ََس م وََح ََس ْْبِِـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي ع ِِلالــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة تََك ْْفِِينِِـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي ف ََـــــــــــــــــــــــــــإذا أ ُُب ْْـــــــــــــــــــــــــــت سال ِِمـــــــــــــــــــــــــــا ق ُُل ْْــــــــــــــــــت س ُُح ْْقــــــــــــــــــا ََـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر فارََقُُونِِـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي وََبِِعـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــادا لِِمََعْْش هنا نتعامل مع حالة أُُخرى، صحيح أنّّها نفس الفترة زمناًً، لكن حمص ليست دار الخلافة، كما مع معبد في دمشق، ح ُُنين أكثرترحالا ًً، وأقل شهرة في الغناء من معبد، ولنا موعد آخرمع قص ّّته مع خالد القسري ّّ. يدرك ح ُُنين منذ البداية أنّّه يجرّّب، وأنّّه خالط س ّكّان المدينة حتّّى يصل لعرض نغمه، والكسب منه بمخالطة أثرياء البلدة. ظن حُُنين أنّّه أقل جودة من أهل النغم في البلدة، حاول إرضاءهم بالثقيل ثم الأخف فالأخف رغبة في إطرابهم، فلم يفهموه، ظن أن ّّه سيفتضح ويظهرضعفه حين يأتي المغن ّّي ال ّّذي اعتادوا سماعه. زي هذا المغنّّي الّّذي يشبه زي الجمّّالين، ا لم يذكر ح ُُنين إلّا لكنّّه ذكر أنّّه ضارب بالعود، وأن الشعر الّّذي يغنّّيه هذا الرجل ركيك لكن ّّه فصيح، ولعل ركاكة الشعر ما دعاه إلى أن يروي الأبيات الّّتي نظمها شارحا حال ارتحاله من البلدة في
مصطفى سعيد أكاديمي في علم النغم
في تمكّّنه من الفََنََّين تمكّّن ثاقب نظر يرى حال بلدة من فنّّها. إلى الحكاية برواية أبي الفرج بإسناد يرجع إليه من شاء في المصن ّّف الأصلي ونذكر آخره: : 294 المجلّّد الأوّّل / ص خرج إلى حمص وغنّّى بها فلم يستطعم أهلها غناءه: وقال حمّّاد (يقصد حمّّاد بن إسحاق بن إبراهيم الموصليّّ) في خبره قال أبي: حدثني بعض أهل العلم بالغناء عن حنين، قال: خرجت إلى حمص ألتمس الكسب بها، وأرتاد من أستفيد منه شيئا فسألت عن الفتيان بها وأين يجتمعون فقيل لي: عليك بالحمّّامات، فإنّّهم يجتمعون بها إذا أصبحوا فجئت إلى أحدها فدخلته، فإذا فيه جماعة منهم، فأنست وانبسطت، وأخبرتهم أني غريب ثم خرجوا وخرجت معهم، فذهبوا بي إلى منزل أحدهم، فلمّّا قعدنا أُُتينا بالطعام فأكلنا، وأُُتينا بالشراب ٍ يغنّّيكم؟ قالوا: ومن لنا �ٍّ فشربنا؛ فقلت لهم: هل لكم في مغن بذلك؟ قلت: أنا لكم به، هاتوا عوداًً. فأُُتيت به، فابتدأت في هنيّّات أبي عبّّاد معبد، فكأنما غنّّيت للحيطان لا فكهوا لغنائي ولا س ُُرُُّوا به، فقلت ُُ: ثقل عليهم غناء معبد لكثرة عمله وشد ّّته وصعوبة مذهبه، فأخذت في غناء الغريض، فإذا هو عندهم كلا شيء وغنيت خفائف ابن سريج وأهزاج حكم والأغاني الّّتي لي، وأجتهد في أن يفهموا فلم يتحرّّك من القوم أحدٌٌ، وجعلوا يقولون: ليت أبا منبه قد جاءنا، فقلت في نفسي: أرى أنّّي س ُأُفتضح اليوم بأبي منبه فضيحة لم يُُفتضح أحد قط مثلها.
نهاية الحكاية. والحال أن هذا الرجل المغنّّي يبدو أنّّه يغنّّي غناء عامّّيّّا لكنّّه أرقى درجة من سابقه، فهو ضارب بالعود، يغنّّي شع ار لا لحن فيه من حيث اللغة، فلغته فصيحة ليست دارجة. القول إن النغم الفصيح موجود، والنغم العامّّي والاستهلاكي موجودٌٌ، فليس معنى أن يُُغنّّى لقضيّّةٍٍ، مثلاًً، أو للوطن، أن الغناء فصيح (كلاسيكي) حكماًً، إنّّما يمكن طرق أي باب من الشعر على كل نوع من الغناء، بل حتّّى الموسيقى الآليّّة الّّتي لا غناء فيها منها الفصيح والعامّّي حسب صياغتها في كل لغة موسيقي ّّة. في زماننا، قد يكون الغناء فصيحا والشعر بلغة دارجة ليس باللسان الفصيح، وقد يكون الغناء عام ّّي ّّا والشعر فصيح، على أن الغناء الفصيح يُُستحب أن يُُصاغ في مواضيع أقرب للروح وأن تكون صنعته أعلى سواء كان بلسان فصيح أو بغيره
123
122
2026 فبراير - مارس 313 / العدد
)2-2( النغم والتراث بين الفصيح والعامي
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online