torath 313 FEB - MAR 2026

مزن الشعر

مشروع الساد: الماء الذي خط ََّه الشعر أول فصول النهضة

من أزمة إلى نهضة لم يكن مشروع الساد مجرد ناقل للماء، بل كان نقطة تحوّّل في وعي المجتمع، وأحد الشرارات الأولى لانطلاقة النهضة الحديثة في أبوظبي. تفاعل الناس مع هذا المشروع العظيم بفرح غامر؛ إذ غيّّر حياتهم اليومية وأدخل الراحة إلى بيوتهم بعد سنوات من المشقة. فقد أصبحت المياه متوافرة عبر فتحات على طول مسار الأنابيب الممتد عبر الصحراء، من الساد إلى الختم والوثبة ثم إلى أبوظبي. تلك الفتحات كانت بمثابة واحات جديدة في قلب الرمال، يشرب منها الأهالي والبدو والمسافرون، ويسقون ماشيتهم وجمالهم. ولأن الشعراء اعتادوا أن يخلّّدوا الأحداث الجليلة بإبداعهم، فقد أصبح مشروع نقل المياه موضوعا شعريا حاضار في الذاكرة الشعبية، فقد عبّّر الشعراء من خلاله عن الامتنان والفرح، وعن تقديرهم لقائد سعى إلى راحة شعبه وسقايتهم في أرض ع ُُرفت بندرتها للماء. وقد ظل الماء في الإمارات أكثرمن مورد طبيعي؛ إنه رمزللهوية والكرم والاستمرارية. وحين كتب الشعراء قصائدهم عن الماء والمشروعات التي نقلته إلى الناس، لم يكونوا يكتبون عن

خالد ملكاوي

في منتصف القرن العشرين، كانت إمارة أبوظبي تواجه واحدة من أشد أزماتها الوجودية: ندرة المياه العذبة. فالأرض القاحلة، والمناخ الصحراوي الجاف، وغياب الأنهار والمصادر الدائمة للمياه جعلت الحياة صعبة، خاصة في خمسينيات وستينيات ذلك القرن. فقد كانت مصادر المياه الجوفية قليلة وسطحية، وملوحة أغلبها مرتفعة، ما جعل تأمين مياه الشرب من أهم تحديات الحياة اليومية. لكن م بزغ أمل جديد حين قرّّر الشيخ شخبوط 1963 في عام )، حاكم أبوظبي، آنذاك، 1966 - 1928 بن سلطان آل نهيان ( مواجهة الأزمة بحل عملي غير مسبوق، إذ أطلق مشروعا هندسيا طموحا يقضي بنقل المياه العذبة من آبار منطقة الساد قرب مدينة العين إلى جزيرة أبوظبي، عبرأنبوب ضخم كيلومتارًً، فكان المشروع بمقاييس ذلك 128 بطول يقارب الزمن إنجا از هندسيا فريدا في المنطقة، يجس ّّد إرادة القيادة في تحويل الصحراء إلى بيئة قابلة للحياة.

خزان نقا بن عتيج في أبوظبي لتجميع مياه الساد

الهندسة بقدر ما كانوا يكتبون عن الكرامة والامتنان. لقد كان مشروع نقل المياه من الساد إلى أبوظبي شاهدا على زمن كان ً على أن الإرادة والقيادة �ً العطش فيه دافعا إلى الإبداع، ودالّا والعلم يمكن أن تحوّّل الصحراء إلى واحة حياة. الماء الذي أيقظ الصحراء الشاعر سالم بن خميس الظاهري، المعروف بلقب «الكاس»، كان شاهدا على التحو ّّل الكبيرالذي صنعه مشروع الساد. رأى بأم عينيه الصحراء القاحلة وهي تستيقظ على خرير الماء، وأهل البادية يملؤون قربهم وأوانيهم من الأنابيب الجديدة، فألهمه المشهد قصيدة تمجّّد الشيخ شخبوط، وتعكس وعي

الإنسان البسيط بعظمة الإنجاز رغم بساطة لغته. قصيدته ليست مجرد مدح؛ بل وثيقة وجدانية تصوّّر لحظة ميلاد الماء في أرض كانت ظمأى طويلاًً. رسم «الكاس» صورة نابضة لحركة الماء داخل الأنابيب (البيبات) الممتدة من الساد حتى أبوظبي، فوصف الماء بالعذب الصافي الذي يُُروى منه الناس بلا خوف من النقص. وتحول تدريجيا إلى مشهد احتفالي: تزدهرفيه الصحراء، ويفرح الناس، وتزدان أبوظبي بالحياة، مبرزا الجانب الإنساني من الحدث، فربط التقنية الحديثة (البيبات) بالنعمة الإلهية، ليقول ضمنيا إن الجهد الإنساني لا يثمر إلا حين يقترن بالإرادة الطيبة والإيمان بالخالق:

) 1966 - 1928 الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان حاكم أبوظبي (

125

124

2026 فبراير - مارس 313 / العدد

مشروع الساد: الماء الذي خط ََّه الشعر أول فصول النهضة

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online