الإمارات والكويت: ذاكرة خليجية مشتركة ومسيرة أخو ّّة راسخة
خليفة من ذلك المعتقد، وحتى يتم شرح موضوع الأفلاج لبعثة «العربي» تم ترتيب زيارة لهم إلى مواقع الأفلاج حتى يتضح لهم الموضوع. فالشيخ خليفة كان يعي الأفلاج ودورها الرئيسي في مدينة العين، فموضوع الزراعة والري كانت تعتبر من القضايا ذات الأهمية القصوى للمدينة وهذا ما ورثه عن أسلافه وتماشيا مع التقاليد العائلية لأسرة آل نهيان في التعامل مع الزراعة والري، وخاصة والده الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، فقد سارالشيخ على خطى والده وواصل تنفيذ المشروعات التنموية التي تستهدف تحسين الزراعة والري. ومن خلال الحوار الذي أجرته المجلة مع أحد الرجال الذي يعملون في حفر الآبار وينتسب إلى قبيلة العوامر واسمه (سلطان بن حامد بن مرشد العامري)، تتكشف ملامح معرفة محلية متوارثة، تقوم على فهم دقيق لطبيعة الأرض وطبقاتها، والاستدلال على اتجاه المياه من أصواتها في باطن الأرض. فحين سأل المراسل السيد سلطان عن الخرائط والمخططات، جاءت الإجابة بسيطة ومعبّّرة: لا كتابة ولا قراءة، بل خبرة أرض اختبرها الإنسان جيلا بعد جيل، في صورة تختصرجوهرالعلاقة بين الإنسان والبيئة في العين. العين: الواحة المدينة التي احتلت مكانتها تحت الشمس بهذا العنوان استهلت العربي الاستطلاع الخاص بمدينة العين ، وقد جاء الاستطلاع في لحظة 1974 والذي نشرفي ديسمبرعام مهمة من تاريخ الدولة، أي بعد سنوات قليلة من قيام الاتحاد،
م 1974 الطريق الرئيسي في العين والذي اشتهر سابقا باسم شارع المضيف
م 1974 مسجد خليفة ذو الهندسة المعمارية الحديثة بمدينة العين عام
من رؤيته للإنسان والبيئة معاًً. ففي تلك المرحلة، شكّّلت العين فضاء حيا لتجربته القيادية المبكرة، عاش فيها تفاصيل المكان، ولامس احتياجات أهلها، وتعرّّف عن قرب إلى طبيعة . ومن خلال ما رصدته «مجلة العربي» ) 7 ( الواحة وحياة المجتمع م واستطلاعها اللاحق عام 1961 بين زيارتها الأولى للمدينة عام م، تتبدّّى ملامح هذا التحوّّل التدريجي، إذ انتقلت العين 1968 خلال سنوات قليلة من قرية هادئة تعتمد على الأفلاج والزراعة إلى مدينة حديثة بدأت تُُشق طرقها، وتُُضاء شوارعها، وتتغيّّر أنماط العيش فيها. ويكشف هذا التحوّّل المبكر عن رؤية تنموية تشك ّّلت في العين قبل قيام الدولة، جعلت منها نموذجا لفكرة المدينة المتوازنة التي تجمع بين الخصوصية ا � أولي البيئية ومتطلبات التطور أفلاج العين كما رصدتها «العربي» شك ّّلت الأفلاج عبرقرون طويلة العمود الفقري للحياة في مدينة العين، فهي النظام الذي ساعد على استقرارالناس في الواحة، وربط الزراعة بالمجتمع، وجعل الماء عنصار منظما للعمران والحياة اليومية. وقد التفتت «مجلة العربي» إلى هذه الأهمية مبك ارًً، إذ رصدت في استطلاعها عن العين الأفلاج بوصفها أحد أبرز مفاتيح فهم تاريخ المدينة وتحولاتها، مسلطة الضوء على دورها الحيوي في تشكيل المشهد الزراعي والاجتماعي للواحة، وهو ما يمنح هذا الاستطلاع قيمة توثيقية تتجاوز الوصف العابر، وقد سأل مراسل «العربي» الشيخ خليفة حول المعتقد الذي يقول: (إن الجن هم من حفروا الآبار)، وقد ضحك الشيخ
المرحلة، لم تكن العين قد دخلت بعد طور التخطيط العمراني الشامل، بل كانت مدينة واحة تقوم على الزراعة والاستقرار التقليدي. ويكشف التصريح الذي رصدته «مجلة العربي» عن وعي مبكر بمفهوم التنمية بوصفها عملية متكاملة، لا تقتصر على التوسّّع العمراني، بل تقوم على ربط المكان بمحيطه، فالإشارة إلى الطريق المعبّّد الذي يربط العين بالعاصمة لا يأتي بوصفه مشروع بنية تحتية فحسب، بل كمدخل لإعادة إدماج المدينة في الفضاء الوطني العام، وفتحها على مسارات التحديث والتعليم والخدمات، خاصة أن العين كانت .. كما تعكس كلمة الشيخ خليفة رؤية تنموية مستقبلية تستشرف ما ستكون عليه العين في (السنوات المقبلة)، وهو تعبير يتجاوز اللحظة الراهنة ليؤكد أن التطويري ُُفهم هنا كمسارزمني طويل، يقوم على التخطيط والتدرّّج، لا على التحوّّل المفاجئ. ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى دور الشيخ خليفة بوصفه الدور التأسيسي الأول في صياغة ملامح المدينة الحديثة، حيث وُُضعت اللبنات الأولى لمشروع تنموي سيستمر ويتطوّّر في المراحل اللاحقة، محافظا في الوقت نفسه على خصوصية العين البيئية والاجتماعية. العين هي المدينة المفضلة لحاكم أبوظبي لم يكن التحوّّل الذي شهدته مدينة العين في ستينيات القرن الماضي وليد الصدفة، بل ارتبط ارتباطا وثيقا بوجود الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في المدينة قبل أن يتولى حكم أبوظبي، حيث كانت العين مدينة مفض ّّلة لديه ومكانا قريبا
حين كانت الدولة تخطو بثبات نحو ترسيخ مؤسساتها وبناء ملامحها العمرانية والاجتماعية. وفي هذا التوقيت تحديداًً، لم تكن العين مجرد مدينة داخل جغرافيا وطن ناشئ، بل نموذجا كاشفا لطبيعة التحوّّل الذي كانت تشهده المدن الإماراتية في سياق بناء الدولة الحديثة. ومن هنا، تكتسب قراءة هذا الاستطلاع قيمتها، لا بوصفه وصفا مكانياًً، بل بوصفه شهادة زمنية على مرحلة تشكّّل. التحو ّّل بوصفه حالة يومية ترصد العربي التحولات التي شهدتها مدينة العين في فترة السبعينيات، فالتغيرات لا تشمل المعالم الكبرى فقط، وإنما تفاصيل الحركة وأنماط العيش، وإيقاع المدينة نفسها، فالسيارات بدأت تحل محل الجمال ومحطات قوافل الجمال تحولت إلى محطات بنزين، كما أشارت العربي في هذا الاستطلاع إلى الشارع الذي يربط بين أبوظبي والعين، والذي يبلغ طوله كم، وقد حل محل أمواج الرمال التي كانت تفصل بين 160 أبوظبي والعين. فالطريق هنا ليس بنية تحتية فحسب، بل أداة لإعادة تعريف المكان داخل الدولة. لقد أعاد الطريق صياغة العلاقة بين الداخل والعاصمة، وقلّّص المسافات النفسية قبل الجغرافية، وأسهم في إدخال العين ضمن شبكة الحركة الوطنية، بما يحمله ذلك من دلالات سياسية واقتصادية واجتماعية في دولة فتية.
م 1974 عادات وتقاليد أهل العين كما رصدتها مجلة العربي عام
39
38
2026 فبراير - مارس 313 / العدد
مدينة العين بعيون الصحافة الثقافية الكويتية
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online