ارتياد الآفاق
بعيون فرنسية: بلاد الشرق في القرن السابع عشر يوميات رحلة الفارس جان شاردان ) م 1677 – 1673 ( في فارس والهند الشرقية
محمد عبد العزيز
لا أقرأ أدب الرحلات إلا بعين الدهشة؛ فهومخزون معرفي وسردي زاخر، يوث ّّق ما التقطه الرح ّّالة من مشاهد وتجارب، ويظل محتاجا إلى إعادة قراءة، اكتشافا أو تأملا أو متعة خالصة. وتبلغ القراءة ذروتها حين يلتقي النص بعقل محلّّل ووعي يقظ، فتغدو كتب الرحلات، بوصفها جزءا من التاريخ، مركبة زمنية تصل الماضي بالحاضر. ومن هذا المنطلق، أقدم للقارئ في «تراث» قراءة في مدونات السير شاردان، على وعد بأن يخرج القارئ منها راغبا في ضم هذا العمل، الصادر في مجلدين، إلى قائمة قراءاته القريبة. بهذه العين الفرنسية، المتأرجحة بين الدهشة والتحيّّز، دخل جان شاردان الشرق في القرن السابع عشر، لا كمؤرخ محايد بل كشاهد عصريحمل لغته ومعتقداته ومقاييسه. وتكمن قيمة يومياته في أنها لا تكشف الشرق فحسب، بل تفضح صورة الشرق في المخيال الأوروبي المبكر أيضاًً، فتغدو رحلته نصا حيّّا ي ُُقرأ لفهم كيف نظر إلينا الآخر، وكيف بدا الشرق في عينيه.
واجهة منزل تشيسويك في لندن، إنجلترا
الرحلة والرحالة ) تاجر ورح ّّالة ومستشرق فرنسي، Jean Chardin( جان شاردان ِب بـ«السير» بعد أن منحه إياه الملك تشارلز الثاني. و ُُلد في �ِّ ل ُُق م، احترف 1643 نوفمبر 16 باريس لصائغ مجوهرات فرنسي في )، ونال Dauphine( صنعة أبيه في متجر العائلة بميدان دوفين حظا وافار من التعليم، وقبل أن يبلغ الثانية والعشرين من عمره، أرسله والده إلى الهند الشرقية للتعاقد على صفقات م. 1665 «الألماس» عام
فصارت كتاباته، ولا سيما عن فارس الصفوية، مرجعا أساسيا للمؤرخين الأوروبيين في القرن السابع عشر، ومصدار ألهم . ) 4 ( مفكرين مثل مونتسكيو وفولتير وجيبون بينما كان لويس الرابع عشر يُُضيّّق على أتباع المذهب م، 1670 البروتستنتي في فرنسا، عاد شاردان إلى وطنه عام م كتابا ألّّفه بعنوان: «وصف تتويج 1671 وطبع في باريس عام سليمان الثالث، ملك فارس، وما جرى من أمور جديرة بالذكر في العامين الأوليين من مُُلكه». وما إن فرغ من طباعته حتى
حمل معه الجواهر التي كان شاه عباس الثاني قد أوصى بصوغها في أوروبا، وقرّّر مغادرة وطنه المضطرب، رفقة زميله التاجر ريزان 17 )، فغادرا في Lyon( ) ابن مدينة ليون Raisin( م إلى إيران والهند. 1671 أغسطس وكما في رحلته الأولى، انطلق من باريس إلى إسطنبول، ثم عبر البحر الأسود إلى القوقاز، ، وتجول في أقاليم السهوب ) 5 ( فحل في أبخازيا متخفيا بصفة مبش ّّر مسيحي، وكاد يُُقتل قبل أن يفر إلى تفليس. وبعد شهور وصل إلى إيرفان
سلك شاردان طريقه إلى تركيا، ثم إلى إيران حتى بندر عباس، ومنها أبحر إلى سورت قرب بومباي، قبل أن يعود ليستقر ستة أعوام في أصفهان. هناك حظي برعاية الشاه عباس ، الذي عيّّنه تاج ار لدى البلاط، فاختلط ) 1 ( الثاني بالأعيان وكبار رجاله. امتزجت عين الرحّّالة بعين التاجر، فتعلّّم الفارسية، وجمع الأخبار، ودوّّن ملاحظاته، واهتم بآثار إيران القديمة، . كما اطّّلع على مصادر ) 2 ( ولا سيما برسبوليس ، ) 3 ( فارسية ويونانية في التاريخ والجغرافيا
جان شاردان
71
70
2026 فبراير - مارس 313 / العدد
م) 1677 – 1673( يوميات رحلة الفارس جان شاردان في فارس والهند الشرقية
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online